لتعرف كل أم عربية

تم نشره في الخميس 18 كانون الثاني / يناير 2018. 01:00 صباحاً

هآرتس

حجاي العاد/ مدير عام "بيتسيلم"  17/1/2018

أمل، والدة محمود بدران، بالتأكيد اهتمت مثل أي أم أن لا يتأخر ابنها (15 سنة) أكثر من اللازم في رحلة الاستجمام في المسبح في بيت سيرا مع ابناء عمه، في ذلك المساء الصيفي الحار في حزيران 2016. لقد قلقت من أن لا يستطيع عهد (21 سنة) الذي هو الوحيد البالغ من بين الشباب السبعة، التعامل مع التواءات الشارع الضيق عند قدومك إلى الجحيم الذي قدمه بسخاء السادة الذين حفروه لهم كي يستطيعوا الزحف تحت الشارع السريع الذي قمنا بشقه لأنفسنا على اراضيهم التي سلبناها. شارع متعرج، جحيم، بعد بضع دقائق سيعود الشباب إلى البيت، إلى الأم القلقة في قرية بيت عور التحتا.
ولكن محمود بدران لم يعد إلى البيت. في ذلك الصيف الحار واثناء عودتهم من المسبح قام جندي إسرائيلي باطلاق النار على سيارتهم التي كان يقودها عهد والتي كان فيها ابناء العم الستة ومن بينهم محمود. من جانب الشارع السريع، بنظرة من فوق إلى السيارة التي تسير في الشارع الضيق في طريقها إلى الجحيم – كانت تلك هدف سهل. محمود قتل على الفور، السائق عهد وأحد أبناء العم اصيبوا باصابات بالغة، واثنان اصيبا بجراح متوسطة. الجرحى وجدوا حماية في جحيم "نسيج الحياة" الذي حفرناه لصالح شعب الرعايا الذين ندير حياتهم وموتهم.
لقد شاء القدر قبل بضعة اسابيع من قيام الجيش الذي قمنا بإرساله إلى المناطق للسيطرة على السكان بقتل محمود، أعلنت "بيتسيلم" عن توقفها عن تقديم الشكاوى للشرطة العسكرية باسم الفلسطينيين على أن قوات الامن سببت لهم الضرر، بما في ذلك في حالات القتل والاصابة أو التنكيل. وذلك بعد أكثر من عشرين سنة على محاولة العمل مع الجهاز العسكري لتطبيق القانون، ومئات الحالات التي عالجتها "بيتسيلم" بما في ذلك القيام بتحقيقات اساسية، أخذ شهادات، جمع تقارير طبية – وتقريبا كان هناك صفر من الحالات التي تم فيها تقديم أحد للمحاكمة. على قاعدة هذه التجربة الشاملة لم نستطع سوى التوصل إلى استنتاج كان يصرخ من كل ملف آخر يتم اغلاقه دون نتيجة: الامر يتعلق بجهاز لإخفاء الحقائق، هدفه ليس احقاق الحق أو المساءلة، بل التمويه والتغطية – في نهاية الامر فإن التبريرات التي تتم صياغتها بجمل طويلة وملتوية وبلغة قانونية والتي عندما تترجم إلى اللغة العبرية، فإنهم جميعا يقولون نفس الشيء: لا توجد قيمة للدم الفلسطيني.
التحقيق الذي نشرناه عن قتل محمود ختمناه بالكلمات التالية: "الجيش أعلن حقا عن فتح تحقيق للشرطة العسكرية لفحص ظروف الحادثة، لكن كما ادعت "بيتسيلم" في التقرير الذي نشرته قبل نحو شهر، فإن الجهاز العسكري لتطبيق القانون يستخدم في الاساس كجهاز لطمس الحقائق، لذلك يجب عدم تعليق آمال كبيرة على أن تحقيق كهذا سيؤدي إلى تغيير نظامي في سياسة الجيش، وفي احقاق الحق. حادثة قتل محمود واصابة الشباب الذين كانوا معه في السيارة، كانت حادثة من الاحداث الاولى التي رفضنا فيها مواصلة المشاركة في مسرح طمس الحقائق. بدلا من ذلك قمنا بالتحقيق في الحادثة ونشرنا الشهادات على الجمهور وعرضنا بصورة واضحة تقديرنا بشأن الوظيفة الحقيقية لـ "تحقيق الشرطة العسكرية" في حالات كهذه.
لقد مر 19 شهرا على ذلك منذ ذلك الحين، وبالنسبة للقتلى الآخرين لهم فتحت ملفات واغلقت ملفات، وواصل جهاز طمس الحقائق القيام بما قام به طوال الوقت. أنا اعرف الحقائق واعرف المعطيات، لذلك لم يكن لدي أمل بالعدل – لا من الشرطة العسكرية ولا من النيابة العسكرية ولا من المحاكم. مع ذلك، عندما نشر قبل بضعة ايام في "هآرتس" أن هذا الملف أيضا يتوقع اغلاقه، لم يكن بالامكان أن لا نصرخ في وجه الطريقة التي يتم فيها هنا طمس حقائق قتل فلسطيني آخر – الطمس يتم حتى عندما يتعلق الامر بشباب كانوا عائدين من رحلة استجمام صيفية، وحتى عندما كان من الواضح جدا عدم وجود طريقة لتفسير وابل الرصاص هذا بنتائجه القاسية.
بعد الصدمة لا مناص سوى أن نعيد قول الحقيقة كما هي: العنف الذي لا ثمن له هو من أسس الاحتلال. بدونه سينهار النظام. كل من يفترض أن هناك احتمال معقول للاستمرار المؤقت للوضع الراهن، يستطيع قبول استمرار الفظاعة والطمس أيضا.
آلاف الإسرائيليين الذين يستخدمون يوميا شارع 443، يمرون فوق الجحيم. ربما أن نظرهم يتوجه للحظة نحو المكان الذي وقف فيه الضابط والذي منه اطلقت النار، وربما يرون للحظة من طرف اعينهم وللحظة واحدة النقطة التي مات فيها محمود. ليس هناك في ذلك المكان نصب تذكاري أو أي شاهد.
لتعرف كل أم عربية أن مصير ابنائها وضع في أيدي شعب الاسياد الذي يستحق حسب رأيه كل استبداد. حيث لنا الشوارع ولنا البيروقراطية التي تعرف كيف تغسل دماء محكوميتهم، وهم لهم الجحيم والرصاص الذي نغدقه عليهم.
محمود بدران كان إبن 15 سنة عند موته، ليتبارك ذكره.

التعليق