ازدحام التفاصيل في "ظلال العمر" للكاتب إبراهيم الفقيه

تم نشره في الأحد 21 كانون الثاني / يناير 2018. 12:00 صباحاً
  • غلاف الكتاب - (الغد)

عمّان - الغد - يبحر الكاتب إبراهيم الفقيه في الماضي ملتقطا ما خلفه العمر من ظلال على مسيرة الزمن، بانيا منها رواية تتحدث عن السيرة الذاتية، صدرت مؤخرا عن الآن ناشرون وموزعون في عمّان، والتي تقع في حوالي(300) صفحة.
ينساب السرد لدى الكاتب بعفوية، معرجا على كثير من التفاصيل التي كانت تتزاحم، وتنثال من ذاكرة الكاتب، وكأنها تسرد نفسها، بلغة سلسة، مشبعة بالإحساس.
وكما يحدث عند كتابة الروايات، تبرز هناك لحظة في الزمن، يحدث فيه التماعة ما تنبئ بولادة عمل، وتظل تلك اللحظة مثل الجمرة تشع حتى يرى العمل النور. تلك اللحظة تجلّت للكاتب وهو في طريقه من عمّان إلى بيروت، يقول: راح الماضي يشق طريقه في ذاكرتي، أفكاري بدت امتدادا لما يجري في أعماقي، محطات تتوارد في رأسي وتتسلسل مثل حبات مسبحة.. لم أكن أتذكر، كنت أعيش سنوات عمري لحظة بلحظة، تراءت لي "فردوس" بصورة ملاك وسط إطار مذهب جميل.. وجدتُ نفسي أفكر فيها وأتمنى رؤيتها من جديد.. فردوس لم تكن لحظة عابرة في حياتي.. كانت لهباً في مسيرة العمر، لكن "كل شيء بقضاء، ما بأيدينا خلقنا ضعفاء".
يفرد الكاتب مساحات واسعة للمرأة في الرواية، واستطاع أن يقدم من خلالها صورة واقعية جداً عن علاقته بالمرأة، منذ أن قرّر أن يتخذ زوجة ثانية لرغبته بالولد، يقول: "تصفعني حكايات قديمة، تتجدد خلايا ذاكرتي، ينقلب عالمي رأسا على عقب، أشعر أن فردوس قدري وأنا قدرها الذي لا فرار منه.. فما رحلة العمر غير محطة المسافر ليستريح من عناء الطريق، وينفض عن وجهه غبار الزمن.. لكن السفر يطول ويطول في رحلة مضنية، تشتد فيها حرارة الشمس حتى تُصبح لظى يحرق الجسد والروح.
سنوات طويلة مرت، اتسعت فيها مساحات الأحزان وضاقت الدروب، ينتفض ما بين فترة وأخرى شيطان القلق، تنهال الذكريات، ولا أمل من صرخة طفل يلعب بين الأحضان.. حياتي وحياة فردوس غابة من الأسرار مدفونة في أحراج من أشواك الصبار.. قالت والدموع تملأ عينيها بعد أن عجز الأطباء عن حالتها "ابحث عن غيري، تزوج إذا كان هذا يرضيك، لم يعد هناك فائدة تُرجى مني".. لم يكن مقنعا ما قالته لي ذلك المساء، ومع ذلك راحت مخيلتي تبحث عن امرأة أخرى تحقق أحلامي، وتملأ الفراغ الذي أعيشه، وفي أعماقي رحت أتساءل عمَّن يحقق أحلام فردوس!.. ومع أني تجاهلت كلماتها، إلا أن الفكرة ظلت تلح على أفكاري وتطاردني، وفي ذاكرتي صورة وحيدة لها تملأ كل حجرات القلب".
وهو يقدم رؤيته للعالم والأحداث، من خلال حكمة الإنسان البسيط: "عند المساء عاد أبو سعيد من عمله، كنت أقف قرب الباب متسمراً متوتِّر الأعصاب.. دار بيننا حديث قصير عن الأحوال الصحية، والسياسة والحرب الأهلية في لبنان. قال وقد لاحظ قلقي "الجميع خوَنة، والخاسر الوحيد مَن يُقتل هذه الأيام"..
كما ويقدم صورة واقعية عن الأحداث، من دون انحيازات مسبقة: "أصوات القذائف لم تهدأ يوماً في بيروت، وطلقات القناصين تشل حركة الشوارع وتحيل الأحياء البشرية المتحركة إلى جثث يصعب الاقتراب منها.. زخات من الرصاص تُبحر وتستقر في عباب الجماجم.. العالم أصبح صغيرا وجحيما، الجدران ترنحت وأصبحت أرصفة وممرات، الأحياء الهادئة والمغلقة أصبحت جبهات مفتوحة ومتداخلة لقتال ملعون، والفجر بدا بعيداً بعيداً.. أحسستُ بشيء ما يتمزق في أعماقي، وبدت الثورة التي انتميتُ إليها نقمة في حياتي.. ملعونة هذه الحرب التي أجبرتني على الإبحار في خضمها حتى أصبحتُ قرصاناً!.. الثورة علمتني كيف أرفع سلاحي في وجه من أحب وأقتله إن كان خصماً للثورة!.. أقهقه عاليا، أمشي في جنازته، ثم أعود إلى البيت وأتقبل التعازي نيابة عن ذويه.. ملعونة هذه الحرب التي أصبحت هوَساً ولعنة!"
ومن خلال الاسترجاع، يعود إلى الطفولة، ويلتقط منها ما اختزن بالذاكرة وترك أثرا على مسير الحياة اللاحقة، فو يصف تفاصيل الحياة، ويجعلك تعيشها:"لا أعرف لماذا قادتني حاسة الزمن للماضي، واسترجعت أيام القهر والطفر وحكاية القط الأسود في ذاكرتي! وأنا في الصفوف الإعدادية من ستينيات القرن الماضي في عمان.. تلك الأيام كنت أعمل بعد خروجي من المدرسة في بيع بطاقات المعايدة أمام الجامع الحسيني الكبير، وعلى مدخل شارع بسمان لأقيت نفسي، وحين كان يتوفر معي ما يزيد عن حاجتي، أنتهز الفرصة مع زملاء الدراسة لنبتاع تذاكر ونحضر أحد الأفلام المفضلة لدينا.. سينما البتراء، خلف الجامع الحسيني، أو سينما عمان في شارع السلط، أو سينما الأردن كانت الأكثر نشاطا وحضورا.

التعليق