بناء مستقبل مشترك في عالم مفكَّك

تم نشره في الثلاثاء 23 كانون الثاني / يناير 2018. 01:00 صباحاً

د. خالد واصف الوزني

ليس المقصود من عنوان المقال الحديث عن انطلاق اجتماعات المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي ينطلق اليوم الثلاثاء من منتجع دافوس في سويسرا تحت نفس العنوان، وبمشاركة كبيرة تصل إلى 70 رئيس دولة ورئيس وزراء، وما يقرب من 340 من كبار رجالات السياسة والاقتصاد والأعمال، وإنما المقصود أن نقتبس من انطلاقة هذا المنتدى العالمي وعنوانه الجديد الطريق نحو مستقبل مشترك في الأردن ترسمه سياسات تشاركية بين جناحي الاقتصاد؛ القطاع الخاص والعام.
 اجتماعات دافوس هي مقاربة ونموذج تشبيهي غير مسبوق، للالتقاء بأهم أقطاب الاقتصاد في أي دولة، فهي اجتماعات نموذجية تجمع بين صانع القرار على أعلى مستوى، والمشاركين في صنع القرار من رجالات القطاع العام والقطاع الخاص، يستمع بعضهم إلى بعض ويخرجون بتوصيات واضحة وقوية إلى أبعد الحدود. نموذج اجتماعات دافوس هو ما تحتاج إليه كل دولة، إن أرادت أن تُنمي اقتصاداها بشكل جيد.
المطلوب هنا الإسقاط على آلية ومنهجية ومقاربة تكل الاجتماعات، وليس الدعوة إلى حضورها أو الترويج لها، فهي اجتماعات لها معارضيها ولها مناصريها، وقد حضرتها شخصياً أكثر من مرة ووجدتها ذات فائدة كبيرة. ولعل الأردن حظي أكثر من غيره بعناية خاصة حينما تقرر أن ينعقد نموذج دافوس في البحر الميت مرة كلَّ عامين. ولكن المهم أن نتعلم من تلك الآلية على الأقل، كيف يمكن لنا أن نصنع القرار بمشاركة الجميع وبالتحاور مع الجميع. لقد كان لنا تجربة مهمة في الأردن، حينما تمَّ عقد الملتقى الاقتصادي الأول والثاني والثالث خلال الأعوام من 1999 : 2003، وبرئاسة ورعاية ومشاركة جلالة الملك، وحضور رجالات الدولة من القطاعين العام والخاص. وقد خرجت تلك الملتقيات بقرارات مازال الكثير منها محركاً لعجلة الاقتصاد، وذا أهمية كبيرة له.
نحن اليوم في أمس الحاجة إلى العودة لآلية عمل مشتركة، للخروج من الأزمة التي نعاني منها اقتصادياً واجتماعياً. هناك حاجة حقيقية إلى عقد "ملتقى اقتصادي واجتماعي وطني" ينطلق من المبادئ التي نؤمن بها كدولة من حيث: التشاركية، والتوازن بين عمل القطاع العام والخاص، والرؤية المدنية للدولة؛ لنصل إلى قناعات مشتركة حول الحلول الاقتصادية والاجتماعية التي تساعد من ناحية على عودة القطاع الخاص المحلي للعمل بكفاءة، وتساعد أيضاً على تحقيق طموحات العدد الأكبر من الشباب من الذكور والإناث بطاقاتهم الكامنة ضمن مشاريع تستوعب تلك الطاقات، وتفتح لهم آفاق العمل عبر مبادرات ومشاريع خاصة بهم، وليس عبر البحث عن الوظيفة.
ويضاف إلى ذلك أنه من الضروري أن نناقش بشفافية تامة وبتشاركية كاملة أسباب التراجع في مؤشرات التنافسية، وبدء الأعمال والمعرفة التي شهدناها على مدى السنوات العشر المنصرمة، وكيفية الخروج من ذلك وفق جهد وإجراءات وسياسات تتوافق مع جناحي الاقتصاد الوطني من القطاع الخاص والعام. إنَّ الملتقى الوطني "الرابع" بعد الملتقيات الثلاثة السابق عقدها في البحر الميت والعقبة، وبرعاية وحضور ومشاركة ملكية، بات ضرورة حتمية وفريضة غائبة لا بدَّ من إحيائها والعمل بها.
الظروف الحالية من الصعوبة بمكان أن تُتْرَك دون حوار عملي واقعي حول كيفية الخروج منها والوصول إلى الضوء في نهاية النفق. نحن في أمسِّ الحاجة إلى بناء مستقبل مشترك يخرجنا من حالة الفجوة الواسعة بين أطراف المعادلة الاقتصادية في البلاد. اجتماعات دافوس هي بمثابة نموذج تشبيهي لما يجب أن تقوم به كلُّ دولةٍ بشكلٍ سنويٍّ دائمٍ، سواء أكانت تعاني من مشاكل اقتصادية أم لا، ليكون المنصة الحقيقية لأطراف صنع القرار، تسمع منها القيادة إلى صنَّاع القرار في القطاعين إلى المختصين والخبراء.
ففي دافوس أنت تسمع للجميع، القيادة، صُنَّاع القرار من القطاعين وعلى أعلى المستويات، والخبراء والمختصين والقائمين على أهم مؤسَّسات المجتمع المدني. إنه بالفعل تمرين عملي يمثِّل ما تحتاج إليه الدول، والأمل أن نلجأ إليه لنصل إلى توافقات تخرجنا مما وصلنا إليه محلياً من مشكلات كلية هيكلية في الاقتصاد جعلت كلَّ طرفٍ يتَّهم الآخر بسوء الإدارة أو التهرُّب من الوفاء بالالتزامات. وبدلاً من تبادل الاتهامات، ينبغي أن نجلس معاً للخروج بالحلول التي تحقِّق للجميع وللدولة عوائدَ ونجاحاتٍ نحن في أمسِّ الحاجة إليها.

التعليق