علاء الدين أبو زينة

زيادة كلفة المعرفة.. فقدان خطير للوجهة..!

تم نشره في الخميس 25 كانون الثاني / يناير 2018. 12:07 صباحاً

كما توقع معظمنا، كان رفع أسعار الخبز بأي كيفيات وحجج أشبه باقتحام الخط الأحمر والحصن الأخير. وبعده، انفتح الطريق للسير خبط عشواء في منطقة الأسعار المستباحة، بلا تمييز كما يبدو. فبالإضافة إلى إزالة الحماية عما كانت توصف بأنها سلع أساسية ومقومات يومية للعيش وترك المواطن مكشوفاً أمام الجوع، يجري رفع كُلفة المعرفة أيضاً، لتصبح سلعة أكثر ندرة وكساداً في مجتمعات عازفة عن استهلاك المعرفة أصلاً!
بطبيعة الحال، سوف يقال إن الحديث عن الكتب والثقافة طوباوية عندما يكون كسب الخبز نفسه شاقاً. وقد يكون هذا التقدير مقبولاً من الأفراد المتأثرين بظروف معينة، لكنه ليس مقبولاً على الإطلاق من الدول والمؤسسات التي تخطط لبناء الأمم وتقدمها. وفي نهاية المطاف، لا تنفصل المعرفة قطعاً عن الخبز، لأن المجتمعات الجاهلة لا تملك الوسائل لكسب خبزها في عالَم شديد المنافسة، ولا يرحم الجاهلين.
في الأساس، ليس تولَّي الدول مسؤولية الإنفاق على تعليم مواطنيها مِنَّة ولا سخاء حاتمياً. إنه واجب أولاً، وهو دهاء إيجابي، على طريقة التاجر الشاطر الذي يعرف أين يستثمر. وإذا كان هناك مَن يعتقد بأن أي حلول قد تأتي من زيادة كلف التعليم والثقافة على المواطن، فإنه واهم على أقل تقدير. فمع الجهل تأتي كل نقيصة يمكن التفكير فيها، من تحجُّر العقل، إلى التخلف، والتطرف، والعجز عن الإنتاج، إلى الانفصال عن حركة العالَم الذي تحكمه مجتمعات المعرفة.
قبل القرارات الأخيرة التي مست أيضاً بأسعار الكتب، كان سوق الكتاب يعاني من الضغط. ويشتكي أصحاب دور النشر كل الوقت من كساد الكتب، وارتفاع كلفة طباعتها وصعوبة تسويقها. وقبل الناشر، يعاني الكاتب دائماً من قلّة الاعتراف بقيمة منتجه و"استرخاصه". وباستثناء قلة محظوظة من المؤلفين، فإن الكتابة في بلادنا لا تُطعم خبزاً، ويمارسها من يمتلك أدواتها غالباً بدفع الرغبة الداخلية ويمكن أن يدفع كلفة نشر كتبه من جيبه. وفي مجال الكتب الأكاديمية، فإن الأسعار "حدث ولا حرج"، بحيث يشعر الطالب بأنَّه يعاقب على أنه يدرس. وكان الأولى منذ زمن أن تُراجع بعناية ثقافة ازدراء المعرفة، بما يترتب عليها من تبعات على الهوية الوطنية.
وفق كل الاعتبارات، لا منطق في اعتبار المواطن مسؤولاً عن أزمات الاقتصاد، إلا في الجزء الصغير الخاص بكيفية أداء عمله. أما التفكير الاستراتيجي بعيد الأمد للتخلص من التبعية الاقتصادية وبناء هيكل منتج وقادر على إدامة نفسه، فمسؤولية المخطط الاستراتيجي الذي رفعته مؤهلاتها أو غير ذلك إلى مراكز اتخاذ القرار، والتمتع بامتيازات هذه المراكز. ومع أن الحديث متأخر الآن عن أوضاع أفضل كثيراً كان يمكن معها توجيه الموارد نحو الإنتاج، فإن المعالجات المتعاقبة للأزمات الاقتصادية اتخذت شكل "إدارة الأزمة" وترحيلها، وغالباً على أساس الاعتماد على جيب المواطن. وكل ذلك من دون تغير في الاتجاه نحو تحسين فرصه وخلق الوظائف له أو رفع سوية الخدمات التي تشعره بأنه يستعيد ثمن ما يدفع.
يصعب تصور أن خصخصة التعليم والمعرفة وتحميل كلفتهما المتزايدة للمواطن تخدم إصلاح الاقتصاد أو المجتمع، على الأقل لدى رؤية ما أنتجه ذلك. فلا سوية التعليم ارتفعت، ولا الاتجاهات العقلية والسلوكية تقدمت، ولا ساد أي مناخ أكثر إيجابية. ومع ذلك، ما يزال يجري تسويق زيادة أسعار الكتب وأدوات التعليم، والخبز وكل شيء آخر، على أنها الخطوات التي ستجعل المجتمع أفضل وحياة المواطن أجمل.
على الأغلب، يندرج هذا كله في اتجاه يقول للمواطن باطراد: أنتَ وحدك! وهو اتجاه يخلق قطيعةً بين الفرد والمحيط، بمكوناته البشرية والمعنوية التي تصنع البلد. والمواطن غير المنتمي، الذي تعزز غربته أسباب جديدة للوحدة والانفصال وشعور بفقدان الحماية، هو أخطر شيء يمكن إنتاجه على الإطلاق. وقد بدأ ذلك يظهر على مستويات مختلفة، بدءاً من الرغبة في الهجرة، إلى اكتئاب النفسية الجمعية، إلى ارتكاب جرائم غير مألوفة في المجتمع المحلي. وإذا أضفنا استهداف الكتاب، بما هو الأداة الأساسية لتنوير العقل وتمرينه وإبعاده عن العصبوية والجمود والتطرف، فإن ذلك يؤشر على فقدان خطير للوجهة الاستراتيجية، والعجز عن الرؤية أبعد من إصبع اليد.

التعليق