أوهام حول "خطة سلام"

تم نشره في الجمعة 26 كانون الثاني / يناير 2018. 12:00 صباحاً

هآرتس

شاؤول اريئيلي

"ما الذي تقترحونه إذا؟"، هذا السؤال كان على مدى سنوات كثيرة هو السؤال الذي بدد ادعاءات الوطنيين والمسيحانيين الذين يرفضون الاتفاق الدائم، والذين عملوا على اقناع الجمهور بوجود مرضى بفكرة الدولتين لشعبين. وعلى الرغم من مرور أكثر من عقدين على التوصل إلى اتفاق اوسلو، فإن صلاحية هذا السؤال لم تنته. إضافة إلى ذلك، في السنوات الاخيرة زعماء هذا المعسكر نجحوا في ذر الرماد في عيون عدد من الجمهور عن طريق اطلاق "افكار" و"خطط" للحل، حتى لو كانت مدحوضة من أساسها وتنقصها أي امكانية عملية أو سياسية للتحقق.
خلافا لمن ينفون ويتجاهلون تاريخ النزاع والروايات المتناقضة للطرفين، والذين يريدون فيدرالية وكونفدرالية ووطن واحد لدولتين أو دولة كل مواطنيها، فإن هذا المعسكر يحرص على عرض وعيه بعدم امكانية ضم جميع الضفة الغربية لإسرائيل. وهو يسكب في افكاره "حلول" للتوتر القائم بين رغبة الضم للارض وبين التهديد الموجود في اكتساب الجنسية، "العروس الفلسطينية"، على هوية إسرائيل اليهودية.
لقد انضمت إدارة الرئيس ترامب التي تبنت وهي تروج لخطة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، إلى قائمة مخترعي هذه الخطط – استمرار الوضع الراهن لبني بيغن، خطة "الإمارات الفلسطينية" لمردخاي كيدار، خطة "الحسم" للاتحاد الوطني، خطة "التهدئة" للبيت اليهودي وقرار مؤتمر الليكود ضم "مناطق الاستيطان المحررة"، واذا كانت هذه تتباهى بعنوان "دولتين لشعبين" فهي تستخف بالفلسطينيين، ومثل الخطط الاخرى القائمة على الجهل والانقطاع عن الواقع والبلطجة وتجاهل القانون الدولي واغلبية المجتمع الدولي واعادة كتابة مشوهة للتاريخ.
بنيامين بيغين لا يريد ثورات. في تشرين الأول (اكتوبر) الماضي كتب "يجب عدم التمكين من اقامة سيادة اجنبية في غرب نهر الأردن... وطالما أن الأمر يتعلق بنا وفي حدود الاخطار الامنية، فيجب تمكين السكان العرب في يهودا والسامرة من العيش برفاهية، بما في ذلك العمل في إسرائيل. وفي المستقبل تمكينهم من التطور الاجتماعي والاقتصادي في سياق ادارة ذاتية لشؤونهم". ولخص اقواله بأنه "لا يوجد في هذه الاقوال أي جديد، ولا يمكن التجديد"، أي أنه طالما أن الفلسطينيين يناضلون على حقهم بدولة كما تم الاعتراف بها من المجتمع الدولي فإن إسرائيل ستمنعهم من الرفاه والتطور الاجتماعي والاقتصادي من خلال مواصلة السيطرة والاحتلال.
مردخاي كيدار الذي يستخدم كـ "بوق" للمعسكر في العالم العربي، قال في مقابلة اجريت معه في تموز 2016 "أنا غير متعمق في جذور الهندسة، أنا فقط أقوم برسم النموذج العام"، وهو الامر الذي لم يمنعه من وضع خطة غير منطقية لضم أريحا ورام الله ونابلس والخليل وطولكرم وقلقيلية وغزة، "التي كل واحدة منها هي على شكل مدينة – دولة". مثلا "لنابلس والقرى المحيطة بها جواز سفر خاص بها وحكومة خاصة بها وهيكل للحكم والاقتصاد".
هل يحتمل أن كيدار لا يدرك أن هذا النموذج كان يناسب العصور القديمة والعصور الوسطى؟ والذي لا يمكن أن يكون في القرن الواحد والعشرين؟ واذا افترضنا أن كيدار يتجاهل بشكل متعمد شرقي القدس مع الـ 350 ألف من سكانها الفلسطينيين الذين سيحصلون تلقائيا على الجنسية الإسرائيلية، فنحن لا نستطيع عدم التساؤل هل هو لم يسمع عن تجمع المدن المتصلة، بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور، مع الـ 200 ألف من سكانها، ولذلك لم يقم بضمها. هل جنين ومحيطها أيضا التي يعيش فيها ربع مليون فلسطيني بدون مستوطنات يهودية، لم يلاحظها كيدار؟.
كيدار يستمر ويؤكد: "الفضاء القروي الذي ستفرض عليه إسرائيل سيادتها سيضم تقريبا 10 في المائة من السكان العرب، وستعطى لهم امكانية الحصول على المواطنة الإسرائيلية الكاملة. هل كيدار لم يلاحظ حقيقة أن الفضاء القروي المحيط بـ "الإمارات الفلسطينية" المقترحة يضم نحو 70 في المئة من السكان الفلسطينيين؟ كيدار لم ينس حتى تحديد أن "المعابر بين إسرائيل وبين كل دولة من هذه الدول ستكون معابر حدودية وسيتم السماح بالحركة في هذا الفضاء من خلال تأشيرات". هل من الواضح له أنه من اجل تطبيق ذلك يجب بناء عائق أمني حول كل إمارة من هذه الإمارات؟ البناء والاشراف على مئات بوابات الخروج إلى العمل في فلاحة الاراضي؟ الرقابة والاشراف على الحركة بين "الإمارات الفلسطينية" التي لا يعارض كيدار أن تقيم فيدرالية على طول مئات الكيلومترات؟.
بتسلئيل سموتريتش واوري اريئيل تعمقوا في التاريخ أكثر من كيدار، ولخطة تشكل العلاقات المطلوبة مع الفلسطينيين اليوم، قدموا خطط قائمة على ايام يهوشع بن نون، الذي ارسل حسب "المدراش" ثلاث رسائل لسكان البلاد قبل دخوله اليها: "من يريد التسليم فسيسلم"، أي ضم الضفة لإسرائيل وانشاء ست مقاطعات إدارية للفلسطينيين (خطة "الإمارات الفلسطينية")؛ "من يريد الذهاب فليذهب"، أي ادارة نظام تمويل وتعويض يتجاهل "الصمود الفلسطيني"؛ "من يريد الحرب فليحارب"، أي "نحن سنحارب الفلسطينيين الذين سيستمرون في الكفاح المسلح ضد إسرائيل"؛ وفي "الحرب مثلما في الحرب"، أي فرصة ذهبية لنكبة اخرى.
نفتالي بينيت والاصدقاء من البيت اليهودي يحسنون الصنع "بدقة"، "خطة التهدئة" وكمية الرمال التي تنثرها. بينيت اعترف أن "ضم كامل ليهودا والسامرة مع مليوني مواطن فيها" غير قابل للتحقق وهو يعرض للخطر "مستقبل دولة إسرائيل لاسباب أمنية وديمغرافية وقيمية". لذلك هو يريد "عرض حل عقلاني يخدم مصالح دولة إسرائيل" على شكل ضم مناطق ج لإسرائيل التي تمتد على مساحة 60 في المائة من الضفة الغربية، وإبقاء الحكم الذاتي الفلسطيني على مناطق أ و ب. حقا؟.
نظرة سريعة على الاتفاق المرحلي تظهر أن مناطق أ و ب ليست مناطق حقيقية تظهر في فيلم الحزب، بل في الواقع فيها حوالي 169 كتلة وقرية فلسطينية معزولة. هكذا أيضا مناطق ج تتكون من بضع عشرات من الممرات الضيقة التي تخترق كل مناطق الضفة الغربية. كيف ينوي بينيت تنفيد تعهده بخلق "تواصل مروري كامل للفلسطينيين"، يمكن "السكان العرب من الوصول إلى أي نقطة في الضفة الغربية دون حواجز أو جنود"؟ بواسطة شق عشرات الشوارع الرابطة والجسور العلوية والانفاق بكلفة المليارات؟ هل سيشرف عليها بواسطة مئات الحواجز والطائرات بدون طيار ودوريات الجيش؟.
هل ينوي حقا منح المواطنة الإسرائيلية للسكان الفلسطينيين في مناطق ج؟ اذا كانت الحقائق الجافة تعد 300 ألف شخص يعيشون هناك وليس 50 ألفا، كما تشير الخطة؟ كيف ينوي الاشراف على الدخول إلى إسرائيل من مناطق الحكم الذاتي، هل من خلال تفكيك الجدار الأمني القائم الذي استثمر فيه 15 مليار شيكل، واقامة جدار جديد على طول 1800 كم بتكلفة 27 مليار شيكل، والذي يحتاج إلى صيانة سنوية بكلفة تقدير بـ 4 مليارات شيكل وحمايته تحتاج إلى وحدتين؟.
كيف ينوي ضمان حق الملكية للفلسطينيين الذين هم اصحاب أكثر من نصف مناطق ج التي تم ضمها لإسرائيل. هل من خلال فتح مئات البوابات الزراعية لـ 350 قرية فلسطينية في مناطق الحكم الذاتي، التي جزء من اراضيها تم ضمه لإسرائيل؟ هل يدرك الحاجة إلى آلاف الجنود الذين سيستدعون لهذه المهمة الروتينية؟ ربما هو لا يلاحظ حجم التهديد في كل بوابة من هذه البوابات، مثلما كتب ذات مرة الجيش الإسرائيلي لمحكمة العدل العليا: "كل نقطة عبور تزيد الخطر الذي يكمن في تسلل مخربين إلى إسرائيل، وتشكل نقطة احتكاك تزيد الاخطار على قوات الامن التي تشرف على هذه النقاط".
حزب الليكود صادق بالاجماع على قرار فرض سيادة إسرائيل على مناطق الاستيطان – الكتل الاستيطانية اليهودية. هل اعضاء الحزب يدركون أنه باستثناء غوش عصيون وغوش قطيف الذي تم اخلاؤه، فإن المستوطنات لم تتم اقامتها في أي يوم حسب هذا النموذج. حيث أنه في كتلة غور الأردن متوسط البعد بين مستوطنات المجلس الاقليمي يصل إلى 21 كم؟ وأن 60 في المائة من المستوطنات معزولة؟ وأنه في ثلث هذه المستوطنات تعيش حوالي 60 عائلة وفي نصفها أقل من ألف نسمة؟ وأن الاغلبية الساحقة في 15 مستوطنة من هذه المستوطنات الكبيرة قائمة على حدود الخط الاخضر أو قرب القدس؟.
آخر وذروة حملة الاوهام هذه هو بنيامين نتنياهو، بدعم وتشجيع من الادارة الأميركية. لو كان من الصعب تفويت الحماسة في صوت رئيس الحكومة في الوقت الذي اعلن فيه اثناء زيارة نائب الرئيس الأميركي مايك بنس أنه سيدعم كل جهد لترامب من اجل السلام، والأكثر صعوبة هو الافتراض أن مصدر هذه الحماسة هو عدم معرفته لتفاصيل الاقتراح المتبلور. الوثيقة التي قدمها صائب عريقات لمحمود عباس تكشف مضامين تناسب مدرسة نتنياهو التي تستند إلى الجهود الكبيرة التي استثمرها السفير رون ديرمر والسفير ديفيد فريدمان في بلورة المضامين وتسويقها. ولمن نسي، الاخير يعتقد أن إسرائيل تحتل فقط 2 في المئة من الضفة الغربية.
"خطة أميركية" تنفي حدود 1967 كقاعدة وتمكن إسرائيل من ضم 10 في المئة من الضفة الغربية دون تبادل للاراضي هي خطة بعيدة عن قرارات المجتمع الدولي وعن مواقف الفلسطينيين. التنازل عن عاصمة فلسطينية في شرقي القدس يضع العالم الاسلامي والعالم العربي خلف الفلسطينيين "الرافضين". احتمال تدخل إسرائيل العسكري في دولة فلسطين منزوعة السلاح يقدم مفهوم جديد لمصطلح "سيادة". بناء على ذلك فإن احتمال الموافقة على هذه الخطة التي تفقد القرارات الدولية من المضمون والتي تقوم على البلطجة وعلى ميزان القوة بين إسرائيل والفلسطينيين، ليس أكبر من احتمال تبني "خطة الامارات". في المقابل، احتمال رفض الفلسطينيين للخطة سيسوغ في نظر إسرائيل تبني أحد الخطط الاخرى أو ما يشبهها "ضم معاليه ادوميم أو القدس الكبرى"، هو احتمال أعلى بكثير.
يبدو أن من صاغوا هذه الافكار يشبهون الذي اقترح الاكتفاء بخط سكة حديد واحد. وعند سؤاله كيف سيستجيب ذلك لحركة القطار في اتجاهين قال "أنا فقط اقترح". هذا الشخص كان يهوشفط هركابي الذي كتب عن سقوط متسادا وحذر من أن "حجم الحلم الكبير، الذي يشترط تحققه هو واقعيته التي تكمن في أنه رغم أن الحلم يريد التسامي على الواقع، أرجله دائما منغرسة في هذا الواقع. هذا هو الفرق بين الحلم وبين الخيال الذي يحلق على اجنحة الوهم".
يكفي مما تم طرحه من امور أن نفهم أن هذه الخطط لا تعتبر حلم، بل خيال يتجاهل الواقع ومتطلباته. الأمل بأن الأفكار عديمة المضمون ستشكل واقع مرغوب فيه هو وصفة مضمونة للانحدار نحو الكارثة. نحن نأمل أن لا نحتاج إلى مكيف للواقع من اجل أن ينثر في كل اتجاه غبار المسيحية، ونكتشف مجددا هذا الصراع بكامل شدته. والفهم المطلوب هو أن احتمال تسويته يكمن في فكرة الانفصال واقامة دولتين أو في تصفية الحلم الصهيوني.

التعليق