يطلقون النار ويدفعون الثمن

تم نشره في السبت 27 كانون الثاني / يناير 2018. 01:00 صباحاً

معاريف

يوسي ميلمان

26/1/2018

تراجعت إسرائيل هذا الاسبوع امام الاردن، واضطرت لأن تدفع  تعويضات على حادثتين قتل فيها حراس إسرائيليون مواطنين أردنيين. لقد اصبح هذا الاستسلام نمطا يكرر نفسه كل بضع سنوات: جهاز الامن يفشل امام المواطنين او الجنود من دول اخرى، تلك الدول تطلب الاعتذار والتعويض من إسرائيل، وهذه ترفض في البداية. ومثل شركات التأمين، فإن حكومة إسرائيل هي الاخرى تماطل، تحاول التسويف في الوقت وفي النهاية تتنازل وتدفع بفائدة مضاعفة. باختصار: يطلقون النار، يتجاهلون، ينفون وبعدها يدفعون الثمن. لقد سبق لهذا ان حصل خمس مرات، وفي ثلاث من الحالات كان رئيس الوزراء هو ذاته بنيامين نتنياهو.
في 8 حزيران 1967، في اليوم الرابع لحرب الأيام الستة، أغارت طائرات سلاح الجو، بالخطأ على سفينة التجسس الأميركية ليبرتي، امام شواطئ العريش في سيناء. وقتل في الغارة 34 ملاحا وعناصر طاقم، واصيب 171 آخرون. ادعت إسرائيل يومها، أنها اعتقدت أنها سفينة مصرية، ولكن الكثيرين في الولايات المتحدة رفضوا تصديق التفسير، وبالتأكيد ليس المصابين وابناء عائلاتهم.
وكلما تخندقت إسرائيل في موقفها هكذا تعاظمت نظريات المؤامرة، التي يتبناها غير قليلين حتى اليوم. ورغم كل لجان التحقيق في إسرائيل والوثائق الرسمية الأميركية التي اتضحت بان هذه كانت عملية مبيتة، فإن محبي المؤامرات لا يدعون الحقائق تشوشهم. فعلى مدى السنين رفضت إسرائيل الاعتراف بمسؤوليتها، ولكن في مرحلة معينة تراجعت ووافقت على دفع 12,7 مليون دولار لعائلات القتلى والجرحى.
مرت سبع سنين وتورطت إسرائيل مرة اخرى. في تموز 1973 قتل مقاتلو وحدة العمليات "قيساريا"، احمد بوشيكي في مدينة الاستجمام "ليهامر" في النرويج. فقد اعتقدوا بالخطأ ان هذا هو حسن علي سلامة، رجل العمليات الكبير في م.ت.ف، الذي كان مشاركا في التخطيط لقتل 11 رياضيا في ميونخ. كان هذا خطأ في التشخيص. ومن تمت تصفيته،  كان نادلا مغربيا زوجته النرويجية كانت حاملا.
حتى اليوم، تعتبر تلك العملية أحد الاخفاقات اللاذعة لجهاز الموساد. ستة من عناصر الخلية اعتقلوا وارسلوا إلى فترات سجن. إسرائيل لم تأخذ على عاتقها اي مسؤولية، مع أنه كان واضحا للجميع انها هي التي تقف خلف الاغتيال. في العام 1996 استسلمت وأعربت حكومة إسرائيل عن اسفها (دون الاعتراف بالذنب) على قتل بوشيكي، ووافقت على دفع تعويضات بمبلغ 400 ألف دولار لابنه الذي يعيش في النرويج.
بعد سنة، في العام 1997، كان امتناع إسرائيل آخر. مقاتلان من وحدة "كيدون"، وحدة عمليات رأس الحربة في الموساد، أمسك بهما في الاردن بعد محاولتهما تصفية زعيم حماس خالد مشعل برشه بالسم. وفر مقاتلان آخران إلى السفارة الإسرائيلية في عمان. رئيس الوزراء الذي أقر العملية، كان نتنياهو. أما الملك حسين فقد هدد بإرسال وحدة عسكرية لاقتحام السفارة إذا لم يتم تسليم عنصري الموساد. كما هدد بقطع العلاقات مع إسرائيل.
فاستدعى نتنياهو على عجل لمساعدته رجل الموساد القديم افرايم هليفي. وتوصل هليفي إلى اتفاق أنهى الحدث الخطير: فقد "احيت" إسرائيل مشعل، الذي كان على شفا الموت السريري، من خلال اكسير مضاد للسم، أعد لحالة ان يتضرر احد المقاتلين بالخطأ. كما أنها اعتذرت ووعدت بانها لن تنشط ابدا مرة اخرى على الارض الاردنية. كما حررت إسرائيل من حبسه مؤسس حركة حماس وزعيمها الروحي الشيخ احمد ياسين.
بعد مرور 13 سنة مرة اخرى، تورطت إسرائيل في حادثة نهايتها ان تنتهي بذات النمط. في 2010 حاولت قوة من الوحدة البحرية 13 السيطرة على السفينة التركية "مرمرة"، وعليها نشطاء من مؤيدي حماس ابحروا لكسر الحصار على غزة. القوة العسكرية، التي تعرضت للاعتداء من بعض النشطاء، فشلت في انهاء مهمتها بلا إصابات. وقتل 9 نشطاء أتراك. طلب الرئيس التركي رجب طيب اردوغان من إسرائيل الاعتذار ودفع التعويضات.
إسرائيل رفضت ولكن في النهاية، على طريقة تقطيع شرائح النقانق، استسلمت مرة اخرى. بداية اعتذر نتنياهو في مكالمة مع اردوغان. بعد ذلك، في ختام مفاوضات طويلة وافقت إسرائيل على دفع 21  مليون دولار لعائلات المتضررين. تركيا من ناحيتها تعهدت بوقف الاجراءات القانونية ضد ضباط وجنود الجيش الإسرائيلي واوفت بتعهدها. ولكنها تنتهك تعهدا آخر لها: ان تطرد من اراضيها قيادة حماس ونشطائها.
والآن، نصل إلى القضية الاخيرة في السلسلة. في تموز 2017 قتل حارس وزارة الخارجية أردنيين في نطاق السفارة الإسرائيلية في عمان. صاحب البيت وشابا جاء لتركيب اثاث في الشقة. ادعى الحارس أنه تعرض لاعتداء بمفك. حاولت إسرائيل تهريب كل فريق السفارة، ولكنها لم تنجح في ذلك. وبعد اتصالات، وافق الأردن على ان يعود رجال السفارة إلى إسرائيل. ولكن عندما اجتازوا جسر  اللنبي اتصل نتنياهو بالحارس والسفيرة عينات شلاين، وبعد ذلك سارع إلى نشر أمر الاتصال.
ولاحقا دعاهما إلى مكتبه، التقطت له الصور معهما ونشرها. من يدفع ثمن الصورة وشريط المحادثة هي السفيرة الكفؤة شلاين، التي أعلن الأردن عنها شخصية غير مرغوب فيها. وفي هذه الايام، نشرت وزارة الخارجية عطاء داخليا لمنصب السفير او السفيرة بديلا عنها. لقد اغضب سلوك نتنياهو الملك عبدالله.
الملك  الاردني والمسؤولون في الأردن، قطعوا الاتصال مع إسرائيل. ومثلما في المرات السابقة، تمترست إسرائيل في مواقفها. ولكن في النهاية، بعد تدخل الادارة الاميركية تحققت تسوية مصالحة. واعتذرت إسرائيل، وافقت على دفع تعويضات بمبلغ 5 ملايين دولار لثلاث عائلات أردنية (لعائلتي القتيلين ولعائلة اخرى، هي عائلة القاضي الذي قتل بالنار في 2014 في جسر اللنبي) وتعهدت بالتحقيق حتى النهاية مع الحارس، وعند الحاجة ايضا استنفاد القانون معه.
وقبيل الحادثة التالية، التي نأمل الا تقع، ومع ذلك مرغوب فيه ان تستخلص إسرائيل الدروس، وتغير نهجها. بدلا من التسلق على اشجار عالية وبعد ذلك البحث عن السلالم للنزول عنها، يمكن الاعتراف في مرحلة مبكرة بالأخطاء، الاعتذار وكذا دفع التعويضات دون محاولة النفي والتهرب من المسؤولية. هذا ليس محترما في العلاقات بين بني البشر. هذا مثير للحفيظة حين تدفع ذلك شركات تأمين او غيرها، وهذا غير مرغوب فيه للحكومات.

التعليق