الذكرى العاشرة لرحيل الحكيم

تم نشره في الأحد 28 كانون الثاني / يناير 2018. 01:00 صباحاً

بقلم: هيلدا حبش

تحل الذكرى العاشرة لرحيل شريك العمر ورفيق الدرب النضالي الطويل والشاق؛ انه الحكيم الدكتور جورج حبش فقيدنا الغالي وفقيد الوطن الغائب الحاضر بين اهله وفي وجدان شعبه. انني ولغاية اليوم ارفض فكرة الرحيل، كيف يرحل من يعيش بيننا ويسكن قلوبنا ويحتل وجداننا ويشغل مخيلتنا؟! كيف يرحل من ترك كل هذا الأرث النضالي الكبير الذي أثرى به تاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة، وترك بصمة للأجيال؟ فهو يتجسد كل يوم في المواجهات اليومية لشعبنا مع العدو الصهيوني.
نفتقده في هذا الزمن الرديء ونحن أحوج ما نكون لحكمته ومشورته وإنسانيته ولكل ما يمثله من قيّم ومبادئ وتفان وعطاء وإنكار للذات.
أراه في القدس وفي جنين والخليل وفي غزة، وفي كل شبر من فلسطين، أراه من خلال شباب الانتفاضة المجيدة وشاباتها وأطفال فلسطين وشيوخها يحثهم على المقاومة ويشد من أزرهم ويتدفق حماسا ليعيش الأمل الذي تحقق له من خلال الاشتباك اليومي لشعبنا وهو يتصدى لجيش الاحتلال المدجج بالسلاح بصدور عارية سلاحهم الارادة الحديدية والاصرار على المقاومة.
هذا الداء الذي ابتلينا به منذ الطفولة، داء مزمن لكنه ليس عصيا على الحل،  فشعبنا قادر على اقتلاعه من الجذور..  
من رأى الفتاة الجميلة الشقراء المناضلة "عهد التميمي" وهي تصفع الجندي الصهيوني بكل قوة وعنفوان يستطيع أن يدرك أن هذا الشعب ما زال قادرا على التضحية والعطاء وقادرا أن يوجه الصفعة تلو الصفعة للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية الصهيونية ..... ومن المدهش حقا أن الجندي الذي صفعته عهد صمت صمت القبور من هول الصدمة.... هذه الفدائية الثائرة على القهر والظلم التي ابتكرت أسلوبا جديدا للمقاومة الشعبية أربكت جنرالات العدو الصهيوني بقدر ما أربكهم صمت الجندي الذي صُفع.
لقد نقلت مصادر الصحافة الإسرائيلية بنفسها القول الآتي: "من المفارقة أن نتبين أنه بعد الحجارة والسكاكين والزجاجات الحارقة والعبوات الناسفة فان السلاح الأقوى لدى الفلسطينين هو فتاة داهية ابنة الـ 16 عاما".
أما صفقة القرن التي ابتدعها ترامب وقراراته الجائرة بأن القدس عاصمة أبدية لاسرائيل فعليه أن يقرأ تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي، وأقول له أنني أبنة القدس عشت تداعيات النكبة عام 1948، كنا ننام ونصحو على أزير الرصاص، ودوي الانفجارات ما زال يطن في أذني ، والاشتباكات بباب العامود بين الجيش الإسرائيلي وبين المناضلين الفلسطينيين وهم يحاولون التسلل عبر الاسلاك الشائكة التي كانت تفصل القدس الشرقية عن القدس الغربية يحاولون العودة إلى ديارهم التي هجروا منها، ومشهد الجنود الصهاينة وهم يعتلون أسوار المدينة المقدسة ويطلقون النار على المدنيين العزل عشوائيا.
لقد مارست إسرائيل التطهير العرقي وإقتلعت شعبا بأكمله من جذوره واحتلت 78 % من فلسطين التاريخية العام 1948 . كل ذلك حصل أمام مرأى ومسمع العالم بأسره. ان الانحياز الاعمى لإسرائيل الذي تمارسه أميركا لن يجدي نفعا لان فلسطين لها أهلها وشعبها ولن نفرّط بذرة تراب من أرضها وأن قوافل الشهداء الأبرياء لن تتوقف دفاعا عن حقنا في الوجود فوق تراب وطننا. وان الجيل الصاعد الذي يقف في وجه إسرائيل هم من الشباب الواعي المثقف الذي يؤمن بعدالة قضيته ويريد أن يخلع شوكه بيده مهما طال الزمن.
أمام هذا المشهد الدامي على الساحتين الفلسطينية والعربية جاءت قرارات ترامب لتصب الزيت على النار، تصريحات غير مسؤولة ومستفزة ... ان الاعتراف بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل لن يتحقق الا على جثث مناضلينا وان القدس عربية رغما عن أنفه ونحن ابناء القدس قد وطأت أقدامنا ثراها منذ الطفولة قبل ان تدنسها اقدام الغزاة الصهاينة.
 وفي ظل هذا الوضع المأساوي جاءت قرارات المجلس المركزي دون المستوى المطلوب، ولم ترتق الى طموحات شعبنا وتضحياته الجسيمة، بدلا من العمل على تجسير الهوة التي تفصل بين السلطة وبين حماس والتأكيد على الوحدة الوطنية في مواجهة هذه الظروف الخطرة والمعقدة وتشكيل قيادة موحدة لحماية الانتفاضة ومساندتها وتطويرها ودعمها ماديا ومعنويا واعلاميا... والعمل على حماية المناضلين والحرص على حياتهم.
وهذا يتطلب أن تعلن القيادة الفلسطينية بكل حزم ووضوح وقف التنسيق الأمني والتحرر من جميع القيود والاتفاقيات السياسية والاقتصادية المجحفة والمذلة بحق شعبنا والتي تنص على حماية اسرائيل وأمنها اولا وآخرا، والتي يتم تطبيقها من طرف واحد والخروج من مستنقع أوسلو.
عندما تتحدث السلطة عن دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران، ما هي حدود الدولة وما هي مساحتها بعد التوغل الاستيطاني الذي ابتلع مساحات شاسعة من القدس والضفة الغربية؟!.
800 ألف مستوطن يقبعون فوق صدورنا، ماذا بقي من مساحة الضفة الغربية بعد التمدد الاستيطاني والكتل الاستيطانية التي تطوق جميع المدن الفلسطينية وجدار الفصل العنصري الذي ابتلع أكثر من 10 % من مساحة الضفة وفصل أكثر من 65 الف مواطن عن محيطهم واقامة الحواجز واغلاق الطرق وشق الطرق الالتفافية وابتلاع أكثر من
45 % من مساحة الضفة الغربية.... اين ستقام تلك الدولة العتيدة التي يطالبون بها؟! هل هناك عصا سحرية للحل؟!
في كتاب التجربة النضالية الفلسطينية حوار مع الدكتور جورج حبش لمؤسسة الدراسات الفلسطينية، يقول الحكيم: "منذ البداية برز نهجان في النظرة الى الانتفاضة؛ النهج الاول مثلته القيادة المتنفذة في م. ت. ف  وكان يدفع في اتجاه السيطرة على الانتفاضة والتعامل معها بصورة استخدامية متسرعة بدلا من الارتقاء بها واسنادها بكل الطاقات.
النهج الثاني والذي حملت رايته الجبهة الشعبية كان يدفع في اتجاه اطلاق ابداعات الانتفاضة الى ابعد حد واعتبار اسنادها بمقومات الصمود ماديا وسياسيا واعلاميا مهمة أولى مع ضرورة اعطاء قيادتها الوطنية الحرية في ادارة الصراع وفق معطيات الواقع. والأهم حمايتها سياسيا وعدم تبديد انجازاتها. انني اعتبر النهج الاول وتفرده هو الذي أدى بالانتفاضة الى ان تصبح ورقة مساومة على طاولة المفاوضات في اوسلو.
في الواقع ان خيار اوسلو بعدما بدد انجازات مرحلة الكفاح المسلح بدد ايضا انجازات الانتفاضة في الوطن المحتل بل ان وقف الانتفاضة كان شرطا إسرائيليا للموافقة على اتفاق اوسلو.
تحية اكبار واجلال إلى روح الحكيم النقية الثائرة وإلى جميع شهداء الثورة الفلسطينية الابرار.
كما اوجه تحية اعتزاز واجلال إلى جميع الأسرى والمعتقلين الابطال في سجون الاحتلال الإسرائيلي البغيض، وإن الفجر آت لا محالة.

التعليق