فقراء أسواق الخضار.. زبائن "آخر بيعة"

تم نشره في الاثنين 29 كانون الثاني / يناير 2018. 01:00 صباحاً
  • أحد محال الخضار في عمان - (الغد)

أحمد أبو خليل

عمان- قبل الوصول إلى الفقراء كزبائن، نشير أولاً إلى أن للاشتغال في مجال بيع الخضار والفواكه طرقا ووسائل واستراتيجيات خاصة صممت خصيصاً لهذا المجال. وسيعتمد هذا التقرير على ملاحظات تم تسجيلها في مواقع متنوعة في عمان، وعلى قدر من التقصي من الباعة و"الخبراء"، ثم محاولة تحليل المعلومات، وتتبع ورصد مفردات هذا النشاط التي تعكس ثقافته الفرعية الخاصة.
وقد تكون هذه المعلومات معروفة جزئيا أو كليا لكثيرين، لكننا هنا سنحاول لفت الانتباه إلى عناصر "عقلانية الإدارة" غير المكتوبة، التي لا يعترف بها المحللون "الرسميون" للأسواق.
يتناول التقرير حالة السوق في المدن الكبيرة؛ حيث تقلصت نسبياً أعداد محلات الخضار والفواكه صغيرة الحجم التي تعرض موجوداتها من "البكسة" مباشرة للزبون، وازدادت بالمقابل أعداد المحلات الكبيرة التي تعرض الخضار والفواكه على "رفوف" أو "دفوف" كبيرة نسبياً.
يقوم صاحب محل الخضار الكبير بتصنيف موجوداته غالبا إلى صنفين رئيسيين: "جُوّه" و"بَرّه"، أي داخل وخارج المحل، والصنف الأول أعلى من الصنف الثاني. لكن المحلات الكبيرة جداً تجري تصنيفاً إضافياً هو: "جُوّه جوّه"، "برّه برّه" أي، داخل الداخل.. خارج الخارج، وهذا يعني أن هناك أربعة أصناف متسلسلة في جودتها من الداخل إلى الخارج. وسنرى بعد قليل أن هناك صنفاً إضافياً يحتل أدنى المراتب.
انتهى زمن "وجه البكسة"
تسمى عملية التصنيف هذه "بَرّ البضاعة"، وما ينتج عنها من أصناف أدنى يسمى "بْرارَة"، وبهذا فقد توقف عملياً البيع بالتدريج من البكسة مباشرة، وهو ما يعني أن مكانة مفهوم "وجه البكسة"، الذي خدم زمناً طويلاً، قد تراجعت، لأن تصنيف الخضار والفواكه إلى "وجه وقاع"، أصبح من مهمة العاملين في المحل، الذين يفرغون كل صناديق الخضار قبل أن تعرض للبيع، فيجعلون جميع وجوه البكس في موقع أو موقعين، وجميع "قيعانها" في موقع أو موقعين آخرين.
وبصورة عامة، اختفت أهمية ظاهرة "التوجيه"، ولم يعد لها أثر على السعر الذي يحدده الموقع، وذلك سواء نبشت جيدا لتنتقي الحبات التي تريد أم تناولتها بسرعة.
وبالطبع لا تتوقف "البَرّ" هنا؛ حيث تجري عملية "إعادة بر" لما هو معروض على الرفوف، وقد تتكرر مرات عدة في اليوم الواحد، وهي عملية خاصة تعرف بـ"قَلْب البضاعة"، وعن طريقها يتم تزويد الرفوف ببضائع جديدة، وبنتيجة ذلك تلتحق كميات من الخضار والفواكه سبق أن صُنفت على أنها بضاعة الداخل "جُوّه" إلى موقع آخر "برّه" خارج المحل.
وإذا كنت في أحد المحلات، ووجدت كيسا معبأ بالخضار أو الفواكه ومتروكا جانباً بلا صاحب، فمن المرجح أن مشتريه انتقى محتوياته قبيل عملية "إعادة البر"، ولكنه عندما رأى ذلك قرر التخلي عن كيسه السابق، والعودة من جديد إلى الرف ذاته، لعل حظه يكون أفضل، سواء كان قد اختار الشراء من "جوّه" أو من "برّه".
ينقسم الزبائن في المرتبة الاجتماعية/ الشرائية، وفقاً للموقع الذي يشترون منه، وقد تكون مرتبتك معروفة مسبقاً عند البائع، وخاصة إذا كنت ثرياً جداً أو فقيراً جداً، وقد تحتاج للتفصيل والتوضيح في كل مرة، إذا كانت مشترياتك مع "أول الراتب" تختلف عنها "آخر الشهر". وقد يعتمد البائع على معرفته لبضاعته بشكل دقيق، فلا يسألك، لأنه يعرف الصنف الذي اخترت منه بمجرد إلقاء نظرة سريعة داخل كيسك. وتعد سرعة النظر مهارة خاصة لأن تدقيق النظر يعني التشكيك غير المقبول.
فقراء الفقراء.. "آخر بيعة"
غير أن هناك صنفاً يعد الأدنى، وهو ما تراه، إذا دققت النظر، تحت الرفوف الخارجية قرب الرصيف، وللبضاعة هنا زبائنها من الفقراء أو المتسولين وأشباه المتسولين، أو من "كبار البخلاء" أيضاً، كما أكد ذلك كثير من أصحاب المحلات؛ حيث يعرف كثير منهم، زبائن أثرياء يحضرون عند ساعة متأخرة بحثاً عن أدنى الأصناف، ويطلق الباعة على سلوك هؤلاء "خَمْخَمَة"، لأنه يختلف عن سلوك الفقر المضطر.
في هذا الموقع المتدني من المحل، سوف تجد الخضار والفواكه شبه التالفة، وتجد العنب والموز "فَرْطْ" أي الحبات مفصولة عن قطفها الأصلي، وتجد الحبات "المضروبة" التي يجري التفاوض مع البائع أنه "ضرب خفيف أم ثقيل".
زبائن هذا الصنف يصبحون معروفين عند الباعة، وهم بمجرد أن يحضروا إلى السوق، يتجهون إلى الموقع المستهدف.
التسمية الدارجة للأصناف الأدنى هي "البرارة"، ولكن ما يتوفر تحت الرفوف وقرب الرصيف هو "برارة البرارة"، ويحضر الزبائن آخر المساء، وكما يحضر "نخبة الزبائن" وقت تنزيل البضاعة بهدف نيل "أول بيعة" فإن هؤلاء البؤساء يحضرون آخر المساء قاصدين "آخر بيعة".
مِنَ الزبائن مَنْ يحضر متخفيا بعض الشيء، ولكن آخرين يحضرون بثقة، ويسألون عن الأسعار ويتجولون، ثم "يقررون" وبحسب متحدثين من الباعة، فإن بعض هؤلاء الزبائن بخلاء أو لا يرون أهمية لصنف الغذاء الذي يتناولونه، فكل الخضار في النهاية تُشبع وتملأ البطن.
بعض الآباء والأمهات يحضرون إلى السوق برفقة أطفالهم، الذين يتناولون حبة من هنا أو هناك، ويحاول الآباء نهيهم، غير أن الأمر في بعض الحالات يكون مفهوماً عند الباعة الذين رصدوا ممارسات متكررة من النهي "الشكلي"؛ إذ بهذه الطريقة يحصل الأولاد على حبة مما يشتهون مجاناً، وخاصة من الفواكه النادرة أو مرتفعة السعر، التي يعمد الباعة إلى وضعها في رفوف علوية تجنبا للإحراج.
برارة من المصدر
أشرنا في مطلع التقرير إلى أنه يستهدف حالة السوق في المدن، لأن فقراء القرى والمناطق النائية لهم طرقهم الخاصة، فكثيرا ما تزود أسواق القرى الفقيرة بخضار وفواكه "مبرورة من المصدر"، سواء من خلال سيارات (بك أب) تبيع أصنافا متدنية "بالبكسة" أو عن طريق البيع المعروف باسم "كَمِشْ"؛ أي أن البائع هو الذي يعبئ للزبون، ولهذا الأسلوب أسراره الخاصة، ويتطلب خفة يد في الانتقال بين رأس الكوم وأسفله وعمقه، كما يتطلب إغلاق الكيس جيدا بحيث يصعب فتحه مباشرة، لكي لا تحصل المفاجأة عند لحظة البيع.
على أن أساليب بيع وشراء الخضار والفواكه تختلف في المحلات المنفردة حتى لو كانت كبيرة، عنها في أسواق الخضار المتخصصة التي تتوفر فيها الكثير من المحلات، مما ينقل المنافسة إلى مستويات أكثر تعقيداً.

التعليق