الحوار المفقود مع الحكومة

تم نشره في الأربعاء 31 كانون الثاني / يناير 2018. 01:08 صباحاً

في البلاد الديمقراطية المتقدمة التي تؤمن حقا أن الشعب مصدر السلطات،  من ابسط حقوق الناس سؤال الحكومة ومراقبتها والاستفسار منها وتقديم الاقتراحات لحل المشاكل التي تواجههم، إما عن طريق الاحتكاك المباشر او الصحافة او مجلس النواب.  ويأخذ هذا الحوار والتمحيص للحكومة في هذه الدول دورا جادا للغاية، ولا ينظر له وكأنه ديكور شكلي لا يؤثر في النهاية على السياسات العامة، وانما كعنصر أساسي تدافع الحكومة عن طريقه عن سياساتها وتشرحها بشكل منتظم، وتشتبك إيجابيا  مع الناس وممثليهم، وتجيب  عن كل مقترح او سؤال بالحجة والمنطق والمعلومات. يحدث هذا في الدول التي تؤمن  ان الحكومة خادمة للشعب وليس العكس.
لمأسسة هذا  الحوار المنتظم مع الحكومة، يتم  في البلاد المتقدمة عقد مؤتمر صحفي يومي للحكومة لاطلاع الناس على كل شاردة وواردة (في الولايات المتحدة عدة مؤتمرات يومية لوزارة الخارجية والدفاع  والبيت الأبيض وغيرها). ويتم في هذه الموتمرات سؤال السلطة التنفيذية عن سياساتها ومناقشة هذه السياسات ومعارضتها او تمحيصها حتى تقدم الحكومة اجوبة مقنعة ليس فقط عن السياسات المعتمدة ولكن ايضا على كيفية الوصول اليها.
ممارسات السلطة التنفيذية في الاردن لا توحي بأن الحكومة معنية باطلاع الناس بشكل جدي على مواقفها او استعدادها لمناقشتها. ليس المطلوب مؤتمرا يوميا، ولكن المطلوب نهج جديد في الحوار يغير المفهوم الراسخ لدى المواطن ان هناك تجاهلا عاما يصل حد الاستهتار  بكل ما يكتب او يقترح لمعالجة التحديات التي نعاني منها جميعا، والتي لا تقتصر على الحكومة فقط.  اما النمط السائد الان  فيقتصر في العديد من الحالات على اتهام الناس بالتنظير تارة (وقد جعلنا من التنظير تهمة كما فعلنا بمن يستند للارقام)  او بعدم الاستناد على المعلومات الحقيقية، متناسية السلطة أنها هي من تحجب المعلومات في الدرجة الاولى.
المشكلة الرئيسية تتعلق بالإطار العام الذي يحكم عمل الدولة، فالشعب لا ينظر له كأنه مصدر السلطات، بل لا تذكر هذه العبارة صراحة في الدستور الاردني، وبالتالي ليس هناك اعتقاد متجذر لدى السلطة التنفيذية أن من حق الناس الاشتباك اليومي معها، ليس فقط من خلال سؤال مكتوب يتم إرساله عن طريق مجلس الأمة، ويتم الإجابة عنه بشكل ميكانيكي رتيب يعتمد أسلوب خير الكلام ما قل ودل، ولكن ايضا من خلال حوار جاد ومنتظم يشمل عشرات الأسئلة اليومية عن طريق الصحافة والمواطن العادي كما عن طريق مجلس الأمة. هذه هي الترجمة الحقيقية لمجتمع يريد التحول نحو الديمقراطية  والاحترام الجاد لرأي الناس.  ولا يعقل ان ننتقل مثلا من مؤتمر اسبوعي مع الصحافة قبل اكثر من عشرين عاما لمثل هذا الشح الواضح في المعلومة والاشتباك مع الرأي العام.
نحن أحوج ما نكون، ونحن نواجه أوضاعا اقتصادية في غاية الصعوبة،  لحوار منتظم  يعتمد صفتين متلازمتين، المصارحة والإصغاء. وقد أثبت الأردنيون والأردنيات عبر الزمن استعدادهم للتضحيات حتى في وضع اقتصادي خانق لم يعد يسمح بالمزيد، طالما شعروا ان لديهم تمثيلا حقيقيا في السلطة التشريعية، واحتراما بالفعل لا القول لدى السلطة التنفيذية.  لقد قطعنا شوطا كبيرا في مجال التنمية لم يعد يسمح بإدارة البلاد بالطرق السابقة، ونحن بأشد الحاجة لتغيير الإطار العام الذي يحكم نظرتنا وطريقة تعاملنا مع الناس. 
الازمة الاقتصادية الحالية الخانقة لن تحل بالاختفاء داخل غرف مغلقة،  وصعوبة الحوار حول السياسات الحكومية لا تحل ايضا بغض النظر عنه.  للمرة الألف، الدنيا تغيرت.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المصارحة (امجد القرعان)

    الأربعاء 31 كانون الثاني / يناير 2018.
    لا اعتقد ان الحكومات قادرة على المصارحة لانها حكومة مقيدة وهي لا تملك المعلومة الحقيقية والكافية لتقديمها الى الشعب.
  • »الحوار المفقود مع الحكومه؟؟ (يوسف صافي)

    الأربعاء 31 كانون الثاني / يناير 2018.
    شرحت واسهبت استاذ مروان وطالما فقدت (ضم الفاء)الشفافيه مابين القاعده الجماهيريه والسلطه التنفيذيه تغرق الساحه في الشكوك والتأويلات والأشد خطورة تغلغل اصحاب الأجنده والتبعيه للغير(الطابور الخامس) بالدس مابين الأطراف وان خلصوا الى حوار يأتي أشبه بحوار الطرشان ومايتمخض عنه من ديمومة انعدام الثقه التي بدونها "لا في تدمر عيدّنا ولا في الشام الحقنا العيد ؟؟؟ حتى باتت الساحه تغرق في بحر سياسة المصالح الضيقّه على حساب مصلحة الوطن والمواطن ؟؟؟وان كان من ملتقى للحوار وبناء قاعده يبنى عليها يتوجب على السلطه التنفيذيه الخروج من اعلام (الكلمات المتقاطعه) كما خروج القوى الحزبيه والتيارات السياسيه والكثير من النخب التي تتوالد كالفطر السام (العديد الطارد) من سياسة راس روس "كل واحد بدوا على راسه ريشه "؟؟؟ يتم بعد ذلك الإلتقاء على الهدف الجامع (خدمة الوطن والمواطن) من خلاله يتم الحوار وفق الأعراف الديمقراطيه فيصله الراي الأقل وقتا وكلفه (دون التفريط بالثوابت )ولوجا للهدف بعيدا عن التبعيه والتقليد الغير متوائمه وروافع المنظومه المعرفيه المجتمعيه (القيم والثقافة والأعراف وثابتها العقيده)؟؟؟"ان الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا مابانفسهم"
  • »يخفون نقص الجدارة خلف الصمت (بسمة الهندي)

    الأربعاء 31 كانون الثاني / يناير 2018.
    هناك أسباب عديدة لغياب الحوار ولكن أظن أن أحد أهم الأسباب هو القلق من أن يكشف الحوار مدى ضعف شخوص الحكومة وتواضع إمكانياتهم وغياب الجدارة.
    الحوار ممكن عندما يكون هناك رجال دولة واثقين من أنفسهم وجدارتهم.