جهاد المنسي

القدس- عمان- دمشق- بيروت

تم نشره في الأربعاء 31 كانون الثاني / يناير 2018. 01:05 صباحاً

من يعتقد أن نظرة الأردنيين قطرية إقصائية فهو واهم، ومن يرى أن بعض كلمات تخرج من هنا او هناك تعبر عن حال الكل الأردني فهو يُغمّس خارج الصحن، ومن لا يقرأ الجغرافيا جيدا لا يعرف أيضا كيف يقرأ التاريخ، فالأردنيون بشكل عام يجيدون قراءة جغرافيتهم وتاريخهم، وإن حاول بعضهم تزييف الواقع فإن هذا التزييف يمر سريعا ولا يستقر في ذاكرتنا.
لذا، لا داعي لتقديم الاعتذار لاشقائنا السوريين المتواجدين بيننا لو تحدث البعض مازحا أو غير مازح عن موضوعهم واستحضر مأساتهم، أو تحدث نائب مثلا مطالبا بإغلاق الحدود وعدم استقبال لاجئين، إذ أن تلك التصريحات أو الاستحضارات غير الموفقة تصيب كل فرد أردني قبل ان تصيب السوريين وغيرهم، فنحن في جغرافيتنا وتاريخنا سوريون ونتبع بلاد الشام، وهوانا كان وما يزال شاميا، وقلبنا مقدسيا، وجوارحنا عمانية، وفطرتنا بيروتية، ولا يمكننا أن نفصل حالنا عن واقعنا الجغرافي والتاريخي، وإن حاول سايكس بيكو أن يفعل بنا ذلك إلا أننا في الاردن بقي ايماننا ببلاد الشام جزءا من العقيدة الخالدة التي لا نحيد عنها، وبقيت رؤيتنا شمولية جمعية وليست قطرية اقصائية، وكنا دوما نضيف عندما نتحدث عن المكون الاردني (من كافة الاصول والمنابت) لاننا نعرف يقينا ان بيننا أردنيين من اصول شامية ولبنانية وفلسطينية وحجازية وشركسية وارمنية وشيشانية وكردية ودرزية وتركمانية وغيرها من اصول؛ جميعهم تلاقوا على حب الاردن وعشق عمان والايمان بان بلاد الشام جزء واحد لا يتجزأ وإن حاول سايكس بيكو قبل 100 عام فعل ذلك وأوجد حدودا بين بلادنا الشامية إلا أن تلك الحدود لم تستقر في وجداننا وقناعتنا وما نزال نرفض التجزئة والتقطيع.
الاساءة ان حصلت فقد وجهت لنا جميعا، وإن كان البعض يحمل مثل تلك الرؤى الضيقة وهذا التفكير الاقصائي المستغرب فإننا؛ سواد الأردنيين نرفضه وندينه لاننا نعرف ان هكذا تفكير سيتبعه لاحقا تفكير جهوي، ومن ثم تفكير مناطقي، بحيث يرى البعض ان منطقته اهم من المناطق الاخرى، وقد يتبعه بعد ذاك تفكير حاراتي بحيث ينحصر التفكير في الحارة الواحدة بحيث يرى البعض ان حارته اهم من الحارة المجاورة، ومن ثم عشائري بحيث يعتقد البعض ان عشيرته اهم من عشيرة اخرى، ومن ثم عائلي بحيث يعتقد البعض انه افضل من ابن عشيرته باعتبار ان عائلته اهم من عائلة الآخر، وهكذا دواليك، حتى قد يصل الأمر الى داخل البيت الواحد.
مثل تلك الافكار الإقصائية السوداوية المرفوضة علينا وأدها في مهدها لانها لا تساهم في بناء الدولة ولا توصلنا الى الدولة الحضارية المدنية العصرية التي نريد ونسعى اليها، والتي نقبل فيها الآخر والاختلاف، ونتقبل فيها الناس دون نظرات عنصرية نحوهم ودون تحميلهم منّة او تفضيلا.
إن مثل تلك الأفكار هي التي ساهمت في بقائنا حتى اليوم ندور في ذات الدائرة دون الخروج منها، فمن يحمل أفكارا كتلك يرى دوما أنه أحق الناس بالدولة وسيعتبر ان كل مقدرات الدولة وخيراتها وجدت لكي ينعم بها وحده دون غيره، وسيرفض أن يشاركه أحد في خيرات الدولة وأفضالها، وقد نسمعه لاحقا جاحدا بما قدمته الدولة له، وما منحته من مكارم.
من لا يعرف واجبات الدول، ويجهل المواثيق الدولية عليه ان يقعد في بيته ولا يتدخل في الشان العام، ومن يجهل تاريخنا وجغرافيتنا عليه ان يعيد قراءة الجغرافيا جيدا، فعمان تمرض لمرض الشام، والحدود التي وضعها الاستعمار وسايكس بيكو قد تكون ساهمت في وضع حواجز ومعابر ولكنها  لم تستطع ان تفصل لهجتنا بعضها عن بعض، فبقيت اللهجة واحدة والعادات واحدة والثقافة واحدة.

التعليق