مؤتمر‘‘الاعتماد على الذات‘‘: أسئلة عميقة ومحرجة عن الذات الأردنية الجريحة!

تم نشره في الاثنين 5 شباط / فبراير 2018. 01:00 صباحاً

هيثم حسان

البحر الميت - بعيدا عن صخب عمّان وأبراجها ذات العلو الشاهق، اختلت نخبة من المسؤولين والمخبراء والمحللين والإعلاميين في قاع العالم، أو أدنى بقعة على سط الأرض (منطقة البحر الميت)، في جلسات عصف ذهني استمرت لأيام ثلاثة، خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي.
المؤتمر الذي كان بعنوان: "أجندة الأردن 2018: تكريس سياسات الاعتماد على الذات"، تحت مظلة مركز الدراسات الاستراتيجية بالجامعة الأردنية، تضمن 7 جلسات، تحدث فيها 26 متحدثا، في 7 قطاعات هي؛ السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والمالية والإدارية والتعليمية والشبابية، وفي اليوم الأخير من المؤتمر تم تقسيم الحضور إلى 7 لجان، شارك بها 52 شخصية، للخروج بتوصيات تنفيذية وسلة بدائل ومروحة خيارات.
زخر المؤتمر، الذي أعد إعدادا لوجيستيا مميزا، بحضور تقدميين و"رجعيين" سابقين، ويساريين انزاحوا إلى اليمين قليلا، وإسلاميين أخذت بهم مراجعاتهم إلى مربعي المواطنة والدولة المدنية، وآخرين من أطياف ومشارب فكرية مختلفة، بالعديد من الطروحات والأفكار العميقة والثمينة، التي شخصت ووصفت ورسمت ملامح الواقع، وافترضت الاحتمالات والتوقعات، وأعدت التوصيات؛ ولم تكتف بالتوصيف بل قدمت الوصفة.
وفي خضم النقاشات تلك، طرح السياسي الأردني عدنان أبوعودة سؤالا كبيرا مازال يتردد صداه في القاعة حتى بعد خلوها وانتهاء المؤتمر، السؤال هو : "ماذا فعلتم بالدولة؟"، وانهالت متوالية أسئلة أبي السعيد، التي كانت في غاية العمق والدقة، بل كانت كمن ينفخ على جمر الحقيقة؛ لماذا ترهل القطاع العام؟، لماذا ارتفعت المديونية إلى هذا الحد؟، ألم تروا الأرقام من قبل، ومنحنيات الصعود والمؤشرات الحمراء المتفاقمة من قبل؟، ألم تنتبهوا؟ لماذا صبرنا على هذا الحال حتى اللحظة؟ والسؤال الأخير سألته السياسية والحزبية عبلة أبوعلبة في جلسة أخرى عندما قالت: "لماذا تأخرنا كل هذا الوقت؟، أين كنا؟"، وهو ما رددته التربوية هيفاء النجار لاحقا في قطاع التعليم وهزيمة النظام التربوي. أبو السعيد أجاب: "ربما يكون التغيير السريع للحكومات أحد أبرز أسباب ذلك"، لكن ذلك لم يطفئ جمر السؤال العميق، والذي يدعو لمراجعة شاملة.
وفي لحظة تشخيصية وتحليلية أخرى، تساءل أبوالسعيد: هل قرار الاعتماد على الذات بعد قرن على بناء الدولة الأردنية قرار اضطرار أم قرار اختيار؟، هذه المرة أجاب أبو السعيد، دون متوالية تساؤلات أخرى، إن الدولة مازالت طفلا رضيعا لم يفطم حتى اللحظة، مستعيدا ما أسماه "البكائية" على الدور الأردني الإقليمي، التي تباكاها الكثير من المحللين، قبل عدة أشهر، وهي في الحقيقة مخاوف من توقف الرضاعة أو الفطام!، أو انقطاع المساعدات بشكل أوضح.
المفكر المخضرم قال في لحظة مراجعة مع الذات والآخرين، "السبب أنه لم يكن لدينا رؤية لاقتصاد إنتاجي، رغم أننا دولة من بين دولتين في العالم تنتج زراعة في الشتاء، مشيرا إلى أن التغيير يبدأ برؤية، ويمر بدافع، ومهارات، وخطة عمل".
ربما كانت الجلسة المالية، التي شهدت حضورا لمسؤولين وخبراء ماليين مخضرمين، اكثر الجلسات صرامة، أو بلغة فلسفية "تشيؤا" (Reification)، أو "حوسلة"، حسب تعبير المفكر عبدالوهاب المسيري، حيث حضرت الأرقام الصماء، واللغة المالية المجردة، بعيدا عن أي لغة عاطفية أو مجاملة، دعا خلالها الخبراء إلى ضرورة أن يقوم الجميع بالتضحية ودفع ثمن سياسة الاعتماد على الذات، لأن المعادلة المالية صعبة ومعقدة للغاية، لكن هل ذلك ممكن؟، وكيف سيفهم المواطن خارج قاعة المؤتمر أنه جاء وقت المواطنة والوقوف مع الوطن في ظل خطاب إعلامي مغيب حيال ذلك، وبلغة ناعمة ومقنعة؟، كل ذلك في ظل اعتراف وزير التربية والتعليم الدكتور عمر الرزاز أن الدولة العربية فشلت فشلا ذريعا في خلق مفهوم "المواطن المنتمي"!
ورغم أن الباحث الدكتور مصطفى الحمارنة، لم يكن أقل صرامة من الماليين، بل تحدث بلغة عسكرتارية، إلا أن حضوره أضفى طابعا عملياتيا وتفكيرا نقديا مقترنا بخفة ظل الحمارنة، الذي تحدث بلغة جريحة عن واقع أردني مؤلم، معلنا "الأردن خال من القيادات الإدارية" رغم مرور قرن على تأسيس الدولة الأردنية، ومطالبا بـ"السيطرة" على معهد الإدارة العامة، لتأهيل العاملين بالقطاع العام بشكل عملي مهاراتي، مشيرا إلى أنه "لا مساومة في مسألتي الحداثة والمجتمع، وأن الاصلاح موضوع جامع، فيه رابح وخاسر، ولا بد من الحسم"، لافتا الى أنه "لا إصلاح بلا إصلاحيين"، متسائلا: "كيف لوزير واحد أن يعيق تطوير الإدارة العامة لثلاثين عاما".
في آخر أيام المؤتمر اختلى المسؤولون والخبراء والناشطون، بعيدا عن أعين الإعلام، رغم أن من بينهم إعلاميين في تلك اللجان، للخروج بتوصيات لم تعلن حتى اللحظة.
ربما انتهى غبار العصف الذهني، وكتبت التوصيات بحبر سري، لكن هنالك العديد من الأسئلة، التي بقيت ماثلة، وبلا إجابات، من بينها هل ستصل تلك التوصيات من قاع العالم إلى صنّاع القرار في عمان، وإذا وصلت هل سيطلعون عليها أم سيضعونها في أدراجهم المنسية؟ وإذا قرأوها هل سيتم العمل على تنفيذها؟ ومتى؟ وهل لدينا ترف الوقت؟ أم ستموت تلك التوصيات عند البحر الميت، وستكون بمثابة صرخة في واد أو نفخة في رماد؟ هذه التساؤلات لا تدعو للتشاؤم أو التطير (وهو مفهوم يرفضه الدبلوماسي عبدالإله الخطيب)، بقدر ما هي حكمة "غرامشية" تقوم على "تشاؤم عقل وتفاؤل إرادة".

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »سنصدق لو لم نعرف الحقيقة!!! (جحاوشه)

    الاثنين 5 شباط / فبراير 2018.
    سنصدق لو لم نعرف الحقيقة!!!