شريف المعايطة.. عازف كفيف يضيء العتمة بأوتاره الدافئة

تم نشره في الأربعاء 14 شباط / فبراير 2018. 12:00 صباحاً
  • شريف المعايطة- (ارشيفية)

ربى الرياحي

عمان - لم تكن حياة الكفيف شريف المعايطة (48 عاما) سهلة وميسرة، بل على العكس كان طريقه من البداية محاطا بالكثير من العقبات بحكم إعاقته ووضعه الخاص الذي حمله أكثر من تحدٍ وألزمه بأن يخوض عدة معارك مع واقع كان وما يزال ينظر بعين الشفقة للشخص من ذوي الإعاقة رغم التطور "البطيء" الذي حصل مؤخرا.
شريف أصبح اليوم يجيد وباحتراف العزف على آلتي الأورغ والأكورديون تحديدا باعتبارهما تمنحانه فرصة إضاءة تلك العتمة وإطلاق العنان لخياله باحثا عن حياة تشبهه ترضي طموحه. واستطاع أن يثبت جدارته من خلال عمله كعازف في فرقة الإذاعة والتلفزيون ويتفوق بين زملائه.
يقول شريف عن البدايات "رافقتني العتمة منذ الولادة.. لم يكتب لي أن أرى النور بسبب مرض الجلوكوما فكان قدري أن أعيش الحياة محروما من نعمة البصر"، مبينا أن ما ساعده ليتأقلم ويتمكن من كسر حاجز الخوف أسرته.
ويشير شريف الى أن الوضع كان صعبا في البداية، ولم تكن اسرته مدركة جيدا لفكرة الإعاقة في ذلك الوقت ومسؤولية اختيار الطريقة المناسبة لتهيئة وإخراجه للمجتمع قويا صلبا على قدر كافٍ من الإيجابية التي تؤهله من أن يواجه مجتمعا قاسيا بعض الشيء.
ظل شريف بكل الإصرار الذي يحمله في داخله مندفعا بطموحه اللا محدود نحو النجاح، ضاربا بتلك الانتقادات الجارحة عرض الحائط ومحاولا إثبات أن بإمكاناته تحويل نظرات العطف إلى نظرات فيها من الاحترام والإعجاب ما يكفيه ليستطيع البقاء صامدا يسعى إلى أن يكون شخصية ناجحة.
وفي عمر الخمسة عشر عاما، قرر والده أن يخصص له سكنا مستقلا عن الأسرة رغبة منه في جعله أكثر اعتمادا على نفسه، فكان لتلك الخطوة تأثيرها الكبير على حياته التي بدأ يشعر أنه مسؤول عن إدارتها بطريقته الخاصة وبما ينسجم مع تطلعاته. ثقة والده به غيرته كثيرا وأعطته دافعا أكبر لكي يواصل مشواره ويتحمل كل الضغوطات من أجل أن يلمس نظرة الفخر في أعين كل من يحبه ويسعده نجاحه.
 وعن شغفه بالموسيقى واحترافه لها يقول "كنت مولعا جدا بالعزف.. شعور غريب كان يجذبني ويحرضني على أن أترك دروسي راغبا في إمضاء أطول وقت ممكن بين الآلات الموسيقية التي توقظ في داخله كل الأحاسيس الصادقة وتمنحه متسعا للفرح ولكي يحلق بخياله فوق الغمام".
ويبين ان الموسيقى تنقله إلى عالم آخر ليس فيه سوى الحب والصدق.. معها فقط تتجلى العواطف وتصبح الأرواح أكثر إنسانية ودفئا وشفافية". لذلك قرر أن يتابع تعلم الموسيقى وتنمية تلك الموهبة كان نابعا من ذاته لكونه وجد في الموسيقى لغة رقيقة تختلف كليا عن أي لغة أخرى يتم التواصل بها.
إذ يرى فيها قدرة على التعبير عما يدور في داخله من أحاسيس جعلته يصر على أن يتعمق في خباياها وأسرارها أكثر حتى أصبح اليوم يجيد وباحتراف العزف على آلتي الأورغ والأكورديون.
التمييز والرفض المجتمعي وغياب القيم الإنسانية التي تؤكد على حق ذوي الإعاقة، كلها مشكلات واجهت شريف لكنها لم تثن عزيمته أو تقيد خطواته او تجعله يختار الهروب بدلا من المواجهة، لانه يؤمن أنه يملك إمكانات كبيرة مع التركيز على الإيجابيات فقط بدون أن يخاف من أن يتعثر أو حتى يسقط لأن الإعاقة مصدر للإبداع إذا تم توجيهها بشكل صحيح.
ويقول إن فكرة تقديمه لنفسه في مجتمع يجهل الكثير عن الإعاقة وما يحيط بها من خفايا وتحديات لم تكن بالأمر السهل أبدا، بل كانت وما تزال تحتاج منه أن يبقى يقظا يدرك جيدا أن عليه أن يقوي نفسه بنفسه، وان يجدد ثقته بعزيمته التي أعطته فرصة العمل كعازف في فرقة الإذاعة والتلفزيون ويتفوق حتى بعد التطور الذي طرأ على الآلات الموسيقية وظهور شاشات اللمس لم يمنعه كل ذلك من العمل في مجال يحبه ويبحث عن التميز فيه، فما كان أمامه سوى أن يذلل كل المعوقات لخدمته وذلك من خلال إيجاده لحلول سريعة تضمن له الخروج من أي مأزق قد يقع فيه.
رغبته في أن يستمر مكنته من أن يواكب التطور ويجتاز صعوبة التعامل مع شاشات اللمس عن طريق وضع لاصق مكتوب عليه بطريقة برايل ليسهل عليه الوصول إلى أي مكان يريده بدون أن يضطر لمساعدة أحد وحتى يبقى مستقلا متميزا بنوعية العزف الذي يقدمه.
هو وبعد مرور ثلاثين عاما على دخول المجال الموسيقي والاحتكاك بالكثير من الشخصيات المتباينة بين تقبل ورفض لوجوده يرى أنه نجح في أن يفرض نفسه ويثبت أقدامه رغم وعورة الطريق وعقد المجتمع التي لا تعد ولا تحصى.
اليوم ومن خلال عمله التطوعي في جمعية "الضياء الخيرية" يبحث عن أطفال لديهم الشغف بالموسيقى، واكتشاف إمكاناتهم، مبينا أن أجمل الأوقات تلك التي يقضيها برفقة أطفال يتشابه معهم في الظروف والمشاعر والتحديات محاولا بخبرته الطويلة دعمهم ومساندتهم وإعطائهم الأمل لكي يستطيعوا العيش في مجتمعهم.

التعليق