عبيدة.. مصاب بالتوحد يتحدث العربية الفصحى ويتقن الحفظ السريع

تم نشره في الخميس 15 شباط / فبراير 2018. 12:00 صباحاً
  • الطفل عبيدة حسن - (الغد)

تغريد السعايدة

عمان- في كل قصة نجاح، هنالك من يقف خلفها، يدعمها ويقويها لتخطي الصعاب في مواجهة الحياة. وفي قصة الطفل عبيدة حسن المصاب بالتوحد، كانت والدته هي الداعم الأساس لطفلها الذي ولد ايضا بعيوب خلقية في القلب، وتشوهات وعجز في استخدام الأصابع.
عبيدة، ذو الخمسة عشر عاما في عدد السنوات، من يراه يعتقد أنه بعمر تسع سنوات، فهو يعاني من تأخر في النمو، ولكنه في ذات الوقت، جميل الشكل والمنطق، أنيق في أدق تفاصيله، التي يهتم بها شخصيا. ولكن ما يجعل منه مميزا لكل من يراه أنه لا يتحدث إلا اللغة العربية الفصحى وبطلاقة شديدة، وحتى في فرحه وبكائه يتحدث الفصحى، التي ترى والدته أنها اصبحت سمة فيه يستمتع كل من يتحدث إليه بطريقة كلامه، والأجمل أن هذه الطريقة في الحديث تأتي عفوية منه دون أن يستعد لها، فعندما يبدأ بالكلام مع أي شخص لا يكون كلامه إلا "بالفصحى".
وعلى الرغم من أن المحيطين به من عائلته والأطفال الآخرين في جمعية سيدات شرحبيل بن حسنة، التي تضم مركزا لرعاية ذوي الإعاقة وتقديم الخدمات لهم، يتحدثون باللهجة العامية، إلا أن عبيدة لا يسمح أن يرد عليهم إلا باللغة العربية الفصحى، بطريقة مُتقنة وبكلمات قد تكون صعبة على الأطفال. وهو يمتاز بهذه القدرة التي جمعها مع قدرته على الحفظ بشكل سريع، كما توضح أخته التي تلاحظ من خلال متابعتها لدراستها أنه خلال متابعته للتلفزيون وهي تدرس يحفظ ما تقوله بشكل سريع من المرة الأولى، وهذا ما جعل مخزون الكلمات الفصحى لديه كبير جدا، ويستمتع زوار المركز بالإستماع إلى عبيدة خلال محاورته.
تقول والدته إن المعاناة بدأت منذ ظهور أعراض التوحد عليه منذ كان في الثامنة من عمره، والتي تعتبر أعراضا متأخرة، ولكن قبل ذلك كان يعاني من باقي الأعراض مثل مشاكل في القلب والحركة وأصابع يديه الضعيفة.
عائلة عبيدة تُقيم في منطقة الكريمة في الأغوار الشمالية، حاولت عائلته أن لا تقف مكتوفة الأيدي عندما علمت بمرضه، وانه لا يقوى على الحركة والمشي، كما أكد لهم الطبيب آنذاك، ولكن الأم لم ترض بهذا الواقع لإبنها فلذة كبدها أن يكون عاجزا، فعملت معه بكل ما أوتيت من طاقة، كانت تقوم بعمل علاج طبيعي له بنفسها، لم تترك طبيبا ولا مركزا خاصا بذوي الإعاقة، إلا وتسرع في خطاها لعرض حالة عبيدة.
وفي إحدى المرات قال لها الطبيب "من المستحيل أن يمشي عبيدة على قدميه"، ولكن بارادة الله أولا وإيمان الأم بذلك، عبيدة الآن يمشي على قدميه يتسابق مع الأطفال، ولكن الغصة ما تزال عالقة في قلب الأم التي تراقب تحركاته ونظراته، ودقات قلبه الذي فُتح لأول مرة وهو في عمر السنة ونصف السنة، ومرة أخرى في عمر 4 سنوات، عندما قرر له الأطباء عمليتي قلب مفتوح، لعلاجه من أمراض القلب.
وبنفسها، قامت أم عبيدة بتفصيل جهاز له لتساعده على المشي دون أن ترضخ عزيمتها لكلام الأطباء الذين أجمعوا على أن عبيده لن يمشي على قدميه، وجعلت من قصتها معه قصة عزيمة وقوة في مواجهة العوائق في سبيل أن يتحرك ويلعب ابنها مع الأطفال، وهو الذي يحب أن يتسابق معهم، بل ويقايضهم بالمكافأة في حال فوزه. ولكن ما زال عبيدة إلى الآن يزور طبيب القلب، لأجراء عمليات "قسطرة" ما بين الحين والآخر، لزيادة عمل القلب ونشاطه. وتقول أم عبيدة أنها بالرغم من كل ما مرّ في حياتها الا أن ذلك جعلها قوية، لأنه طفلها يستمد قوته منها، ويلجأ لها في كل لحظة ضعف، لذلك هي تبحث دائما عن الأفضل له من خلال تسجيله في رياض الأطفال الجيدة في محافظة إربد، بالإضافة إلى متابعة حالته النفسية والصحية في مراكز ذوي الإعاقة، فهو بعد أن وصل للصف الثالث، لم يتمكن من متابعة الدراسة لما يعانيه من قصور في جسده الغض إلا انه يتميز بين أقرانه، لا يقبل إلا بالأفضل والأجمل، ويتحدث بسلاسة بالفصحى. هو لا يجد مكانا في منطقة سكنه في الأغوار إلا مركز شرحبيل بن حسنة، الذي يقدم ما تجود به الموارد في خدمة ذوي الإعاقة مع غيره من الأطفال، لكنه بحاجة واقرانه إلى الدعم بشكل أكبر.
ويتميز عبيدة بحفظه السريع لما يُقال أمامه من شعر وقراءة قرآن، وما أن يلقي عليه أحد افراد عائلته من حديث كالشعر، يحفظه منذ اللحظة الأولى. ولا يفضل عبيدة أن يجلس في البيت دون أي عمل مفيد، فيطلب من والدته أن تضع له الواجبات المدرسية مثل باقي أخوته، لذلك اتفقت والدته مع مربيته في المركز أن تضع له دفاتر وواجبات يقوم بحلها عند عودته للبيت كما يرغب.
في حالة الطفل عبيدة، يظهر دور وتحدي الأم التي لا تستسلم لكلام يحد من قوتها ويضعف عزيمتها، حيث تكتفي بأن تستمع لنبض قلبها الذي يرافق نبض الابن لتكون هي الملهمة وهي المتكأ والسند الحقيقي له.

التعليق