اسأل الحصان

تم نشره في الجمعة 16 شباط / فبراير 2018. 01:09 صباحاً

ا.د. محمد الشريفين

"يروى أن رجلا كان يركب حصانه، وكان يعدو بسرعة، رمقه رجل كان يقف على حافة الطريق، فقال له بصوت عالٍ: إلى أين أنت ذاهب؟ نظر اليه صاحب الحصان، وقال: لا أدري. اسأل الحصان! انتهت القصة، وهي قصة رمزية من التراث البوذي.
يبدو أن حال كثيرٍ من الناس-ولسنا بدعا منهم- كحال صاحب الحصان، فالكل يعدو من على ظهر جواده مفترضا افتراضا مطلقا أنه يسير به نحو الوجهة الصحيحة، وفي نفس الوقت ينظر إلى غيره على أنه قد ضّل الطريق.

فما دلالة الحصان؟
تختلف دلالة الحصان من شخص لآخر ومن جماعة لأخرى، ومن مذهب لآخر، ومن أمّــةٍ لأمة.
سأذكر في هذه العجالة بعض الأنماط السائدة والتي تمثل الحصان:
النمط الأول: العادات والتقاليد. حيث لم يختر أي منا العادات والتقاليد التي يمارسها، بل اختيرت له دون أن يعي.
مبدئيا لا إشكال في أن يعيش الإنسان ضمن مجتمع أكسبه عاداته وتقاليده، ولا إشكال البتة في اتباعه لهذه العادات والتقاليد، ولكن الإشكال في أن يشتق الإنسان من عاداته وتقاليده التي اكتسبها معيارًا يحكم من خلاله على العادات والتقاليد الأخرى.
ومن مظاهر هذا السلوك الغرائـــزي أنك ترى كثرة كاثرة تستهزئ بعادات وتقاليد كثرة كاثرة، مما يؤدي إلى لون من ألوان الصراع الاجتماعي المفضي إلى التنافس السلبي في المظاهر المادية؛ والتي تؤدي إلى تحول المجتمع إلى مجتمع استهلاكي.
وهنا أشير الى أثر سلبي آخر لرمزية الحصان يلاحظ في جامعاتنا-وهي المؤمل عليها في أن تكون حاضنة الفكر والتفكير المؤسس على المنهج العلمي البحت- حيث يكثر استهزاء الطلبة بعضهم ببعض بسبب اختلافهم، مما يؤدي إلى لون من ألوان العنف الجامعي، فضلا عن الإحباط الذي يعيشه الطالب الـمُستهزئ به، بسبب ذلك الإختلاف المرتكز على بعض العادات والتقاليد.
النمط الثاني: الطائفية.
فقد سألت أحد طلابي: تُــرى لو أنك ولدت في البلد الفلاني، ما تكون طائفتك؟ قال لي مستهجناً لا أدري. قلت له: أنا ادري، ستكون من أتباع الطائفة الفلانية. قال لي: مـُحـالٌ ذلك! انني اعتقد أنهم شر من كذا وكذا. ولا شك في أنه لو وُلد في ذلك المكان لكان من أبناء تلك الطائفة.
لم يختر أي منا الطائفة التي ينتمي إليها، وهذا يعني بعبارة بسيطة أننا وبشكل عام لسنا فاعلين في اختيارنا للطائفة التي ننتمي إليها. وما هو إلا ذلك الحصان الذي يسير بِنَا إلى حيث يشاء، لا إلى حيث نشاءُ.
إذا كان ذلك كذلك فلماذا يعيب أحدنا على الآخر، مادمنا جميعا مشتركين في عدم الإختيار؟وهل الصراع على أساس الطائفة هو صراع مشروع؟ وهل بإمكاننا أن ننهي ظاهرة العبث الطائفي واستخدامه كأداة لتحقيق مكاسب ضيقة؟هل يمكن لنا أن ننهي حال الإحتراب الطائفي؟
النمط الثالث: المذهب.
تنتشر المذاهب في عالمنا الاسلامي بشكل لافت، وذلك داخل الطائفة الواحدة فَلَو اخذنا ما اصطلح عليه بمذهب أهل السنة والجماعة، وأخترنا مدرستين فقط: الصوفية والسلفية، لوجدنا أن المدرسة السلفية تتضمن ما يقرب من عشرين مذهبا، وأما المدرسة الصوفية فتنيف على عشرة أضعاف هذا الرقم.
ولو سألنا من ينتمي لأي منها لوجدنا أن اغلبهم لم يختر مذهبه، والمذهب بالنسبة له ليس إلا ذاك الحصان، وكل قد نشأ في بيئة أملت عليه أن ينحاز لمذهبه دون غيره، وسواء كانت البيئة المحيطة ام الاعلام الرسمي، أم الاعلام بشكل عام هو الذي أطر الإنسان، فالنتيجة واحدة هو أن ذلك الفعل مبني لما لم يسمَّ فاعله.
وثَـمَّ أنماط أخرى للحصان منها ما هو أكثر حساسية ومنها ما هو أقل أهمية، يهمني من إيرادها أن ألفت أنظار المهتمين إلى ضرورة الوعي بتصرفاتنا المتعلقة بإصدار الأحكام على الأخر؛ وذلك من خلال الوعي بفهمنا لرمزية الحصان.
كما أنني أدعو المثقفين من خلال هذا المقال أن لا يقودهم حصان العصبية لأي من الأنماط السلبية الآنفة، وأن لا يخضعوا لسلطة العامة أو الساسة أو الموروث، وأن يتأملوا قول الشاعر محمد الفراتي القائل:
جريت على طبعي بتيار فكرتي
 ولم أنجرف يوماً كغيري بتيارِ
ولم أستعر للشدو مزمار شاعر
وحسبي فخراً أن شدوت بمزمارِ
وقد لفت القرآن الكريم الى ضرورة التعرف على الآخر- على نمط تفكيره على عاداته وتقاليده على طائفته على مذهبه- بقوله تعالى:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" ولا شك أن كلمة تعارفوا تحمل في مضامينها:
الاعتراف بالآخر، الاعتراف والإقرار بالتنوع، والتأكيد على سنة الاختلاف.  
وختاما فإنا نجد أن القرآن الكريم قد دعانا الى ضرورة الوعي باختياراتنا، قال تعالى"قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ"
نسأل الله تعالى ان يُرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه وأن يُرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه.

التعليق