"رضا"

تم نشره في السبت 17 شباط / فبراير 2018. 12:00 صباحاً

دائماً ما اهتمت الشركات العقارية ببناء شقق متميزة، وبأفكار جديدة. فهناك الآن شقق تحت الماء، وهناك شقق دوّارة بحيث تختلف الإطلالة كل صباح، وهناك أيضاً الشقق الذكية، المؤتمتة بالكامل!
وقد اختبر بعض الأثرياء السكن في شقق تحت سطح البحر، لكنّ لا أحد استطاع قبلنا العيش في "زجاجة"!
الحياة في زجاجة تجربة مدهشة لم يجرّبها سكان العالم الأول، ورغم ذلك فسكان الزجاجة أنفسهم "طبقات"، وليس كل من يعيش بداخلها يمكنه أن يعيش متعة الجلوس عصراً مع الجيران أو صاحب الدكان حول إبريق شاي في منطقة .. "عنق الزجاجة" تحديداً!
هذه المنطقة لا يحظى بها سوى أعداد قليلة من الناس، يزيدون أو ينقصون حسب همّة المطورين العقاريين في "توسيع" عنق الزجاجة أو .. توسيع القاع بحيث يتسع للجميع!
لكن المؤسف أن هؤلاء السكان، بعد أن رتبوا أمورهم، وتكيفوا مع العيش في "العنق الواسع"، وسجلوا أبناءهم في المدارس في مناطق قريبة من العنق، وتعرفوا على أصدقاء يخرجون معهم مساء للجلوس على "الكتف" قليلاً .. بعد كل هذا يصلهم إشعار بأنهم سيغادرون "عنق الزجاجة" منتصف العام المقبل 2019!
ولم يخبرهم أحد "إلى أين"!
رغم أن حياة الناس في "الزجاجة" ليست سيئة، وليست سبباً للتذمر.
فـ "الرضا" هو الوجبة الاحتياطية المتوفرة، دائماً، حين لا يجد الفقراء عشاءهم.
حين تكون كل الكؤوس "ملأى" بالنصف الفارغ!
وجبة يتناولونها بصبر من اعتاد طعمها، ويحمدون الله كثيراً .
"الرضا" هو رأسمالهم الذي لا ينفد.
أما النصف الملآن من الكاس فمترع بـ "الهراء" و"الإنشاء" ومقالات يصوغها كُتّاب مبتدئون، يحصلون على "رضا" من نوع آخر.
هؤلاء الذين يتناقلون بسذاجة منقطعة النظير ما قيل في إحدى الجلسات من أن القناعة "كنز"!
الغريب أن هذا "الكنز" متاحٌ حتى للحمقى، ولا يلزمك للحصول عليه سوى أن تلوذ بزاوية معتمة وتبقى تمضغ عبارات الرضا المغشوش .. حتى يتكوّم في حضنك كالحيوان الأليف!
وهو، إضافة الى ذلك، ثروة سهلة الحمل، لست مضطرا لمداهنة موظفي البنوك للاطمئنان عليها، فضلاً عن أنها معفاة من الضرائب، وإذا أردت التبرع بجزء منها فلا ضرورة للشيكات والتواقيع؛ كل ما عليك هو أن تقرأ وعظك على رأس المحتاج، وأن تستفيد من حنكتك ودهائك لتقنعه بأنه يرتع في النعيم، وأن المال مصدر همٍّ لأصحابه، وأن عليه الحمد والشكر كثيراً، فهو مثلاً يستطيع أكل الفلافل متى شاء، بينما "فلان" الملياردير المعروف لا يستطيع أكلها بسبب القولون!
وعليك، أيضاً، أن تغادره وأنت قانع بأن ثروتك لم تُمسّ رغم ما تبرعت به، بخلاف ذلك وإذا شعرت للحظة أنك أنفقت شيئاً فسيكون "كنزك" كالعُملة المزوّرة!
والغريب أن الفقراء وحدهم من يستطيعون ملاحظة "النصف الملآن" حتى لو حطمت كل الكؤوس التي في بيوتهم فوق رؤوسهم!
فالرضا قرار، والقناعة كنز، والذين يتذمرون هم أؤلئك الذين حذَّر منهم الشاعر: "ومن يكن ذا فم مرٍّ مريض .. يجد مرّاً به الماء الزلالا".

التعليق