ماذا يتعلم أبناؤكم من الكتب المدرسية: المعايير المشتركة (2 - 4)

تم نشره في الثلاثاء 20 شباط / فبراير 2018. 01:00 صباحاً
  • الخبير التربوي الدكتور ذوقان عبيدات -(أرشيفية- تصوير: ساهر قدارة)

د. ذوقان عبيدات *

تناولت هذه المقالة تعريفاً بالمعايير المشتركة التي يفترض أن تبنى الكتب المدرسية والمناهج وفقها. وهذه المعايير هي:
1 - المواطنة والهوية. وتشمل معايير العدالة والكرامة والمساواة، والهوية الوطنية، والتوازن بين الهوية القومية والدينية والإنسانية.
2 - حقوق الإنسان وحقوق المرأة، وتشمل مفاهيم لوائح حقوق الإنسان الدولية كما وردت في الإعلان العالمي لحقوق الانسان في العهدين الدوليين، وحقوق المرأة ودورها ومكانتها وحجم وجودها وتأثيرها.
3 - تعليم التفكير الناقد والتعليم اإابداعي، وتشمل مفاهيم المقارنة والتصنيف والتمييز والتحليل والنقد والاكتشاف والبحث والتنبؤ وغيرها.
4 - نبذ التعصب والتطرف، وتشمل مفاهيم معرفة الذات والآخر، والحوار والانفتاح، والبعد عن التحيز والكراهية والاعتراف بدور الآخر والتنوع والتعددية بأشكالها كافة.
5 - الجمال والفن والتذوق وتشمل مفاهيم الانسجام والتباين والبهاء والعمل الفني والغناء والموسيقى ونقد العمل الفني، واحترام الفنون.
6 - البيئة والعمل، وتشمل مفاهيم احترام البيئة والتنمية المستدامة، وترشيد الاستهلاك، والبعد عن الاستهلاك الجائر، وحقوق الأجيال، وعدم الصراع مع البيئة، اضافة الى مفاهيم العمل وحب العمل ومهارات العمل والتخصص والعمل المهني وأخلاقيات العمل.
اذن هذه هي المعايير الستة، وهي كما هو واضح معايير لا خلاف عليها داخل مجتمعنا، ولا خلاف عليها مع المجتمعات الأخرى. وقد تم تحليل الكتب المدرسية الجديدة وفق هذه المعايير لمعرفة: - مدى انتشارها الأفقي بين المواد الدراسية  المختلفة. - مدى انتشارها العمودي بين الصفوف المختلفة.
ومن الجدير بالذكر أن هذه المعايير والمفاهيم والمهارات المتصلة بها، هي معايير عابرة للمواد الدراسية، فحقوق الانسان او صورة المرأة او المواطنة ليست مرتبطة بمادة بل بجميع المواد الدراسية، وليست مرتبطة بصف ما او بمرحة ما بل بجميع الصفوف والمراحل.

وفيما يأتي نتائج تحليل جميع الكتب المدرسية:
توزيع المعايير في الحياة الدراسية للطلبة
تناول هذا الفصل المعايير التي يتعرض لها الطالب عبر حياته الدراسية في مختلف الصفوف ومختلف المواد، وقد اوضحت النتائج ان معايير البيئة هي الأكثر انتشاراً في حياة الطلبة، تليها الهوية والتفكير ثم الجمال والحقوق ونبذ التطرف.
والجدول  رقم (1) المرفق يوضح هذه النتائج وتوزيع المعايير، حيث يتبين لنا ما يأتي:
1 - معايير البيئة والعمل ومفاهيمها في جميع الصفوف والكتب المدرسية: احتلت هذه المعايير المرتبة الأولى، فهي الأكثر انتشاراً خاصة في مادة الجغرافيا التي قدمتها (89) مرة، تليها اللغة العربية (41) مرة، في حين قلت كثيراً في مادة التاريخ والتربية الوطنية والعلوم.
ويهم الدراسة ان توضح ان التحليل شمل أي عبارة او كلمة لها صلة بالبيئة مثل، وادي، جبل، هضاب، أنهار، بغض النظر عن اهمية هذا العرض في بناء اتجاهات بيئية، ولعل هذا ما يفسر كثرة ورود المفاهيم البيئية، وخاصة في مادة الجغرافيا.
ويلاحظ من الجدول غياب خطة لتوزيع المفاهيم المشتركة على المواد، وتركزها في مواد قريبة من التخصص، ولما كانت حماية البيئة هي احدى تحديات العصر، فإن ضعف معالجتها في مختلف المواد يمكن أن يعتبر نقصاً استراتيجياً في إعداد الطالب لمواجهة هذا التحدي البيئي.
ويستنتج من الجدول المرفق أن مفاهيم البيئة لم تكن متنوعة، باستثناء ما ورد في كتاب الجغرافيا حيث ركز على مفاهيم متنوعة مثل، النمو السكاني، التنمية المستدامة، جفاف التربة، ترشيد الاستهلاك وغيرها.. كما أن مفاهيم العمل كانت نادرة جداً في مختلف الكتب.
ومن المهم أن يتوضح أن مفاهيم بيئية كثيرة جاءت عرضاً، أو لمرة واحدة، في حين اختفت مفاهيم بيئية كثيرة مهمة مثل، المجتمعات الخضراء، والحقوق البيئية، والمنازل الخضراء، والصراع مع البيئة او عدم تطويعها قسراً، والأمن البيئي، ومفهوم البيئة الشاملة او التركيز على حق الاجيال، والتمييز بين إعادة الاستخدام وإعادة التدوير، فالمشكلة في هذا المجال اذن هي عدم تعريض الطلبة لمفاهيم البيئة كاملة، اضافة الى عرض بعض المفاهيم بشكل ثقافة بيئية، وغياب كامل للتربية البيئية.
2 - معايير المواطنة والهوية ومفاهيمها في جميع الصفوف والكتب: احتلت معايير المواطنة والهوية المرتبة الثانية (217) تكراراً، وهي شاملة لمفاهيم عديدة، حيث كانت الدراسة تسجل أي ذكر للأردن، مثل الموقع او المناخ او التضاريس او الخرائط، على أساس أنها مفاهيم وطنية، كما كانت الدراسة تدمج مفهوم الوطنية مع المواطنة وهما مفهومان مختلفان جداً، اضافة الى ان الهوية كانت تعتمد الهوية الوطنية والعربية والاسلامية.
أما مفاهيم المواطنة من حيث العدالة والمساواة والكرامة وسيادة القانون فلم تكن في مقدمة هذه المفاهيم.
كما تبين من الجدول ان توزيع المفاهيم على المواد الدراسية كان غير متناسق، ففي حين كثرت هذه المفاهيم في مواد اللغة العربية والجغرافيا، فإنها تضاءلت كثيراً في مادة العلوم والرياضيات والتربية الاسلامية، وحتى التاريخ، الامر الذي يمكن ان يفسر ما يأتي: - غياب منهجية توزيع المفاهيم والمعايير. - غياب الترابط بين المواد الدراسية التي ما زالت مواد منفصلة لا رابط بينها.
وإلا كيف نفسر ان كتب التربية الاسلامية من (1-12) كانت تقدم هذه المفاهيم بمعدل مرتين سنوياً، وان كتب اللغة العربية من (1-12) كانت تقدمها بمعدل (5.5) مرة سنوياً، إذن ماذا كانت تقدم هذه المواد لبناء شخصية طلبتنا؟ وهل يمكن ان يكون معدل اهتمام كتب التاريخ من (6-12) بمعدل ثلاث مرات سنوياً.
ويمكن ايجاز الاهتمام بالمواطنة والهوية ومفاهيمها بما يأتي:
- غياب مفاهيم المواطنة علماً بأنها موجودة في الدستور وفي قانون التربية وفي اهداف المراحل التعليمية، وغياب الإعداد للمواطنة او التربية على المواطنة، والاقتصار على معلومات موضوعية عن الأردن.
- قصور ما ورد في الكتب في مجال بعض المفاهيم مثل التنوع السكاني والديني والبيئي، وسمعة الوطن، وتنوع اماكن العبادة، وحقوق العبادة، والتمييز بين الهوية الشاملة والهويات الفرعية، او حتى التحيز لهوية فرعية مقابل هوية وطنية شاملة.
وتنوع الاهتمامات في التركيز على الهوية حسب المواد الدراسية. فاللغة العربية ركزت على هوية وطنية دينية أو دينية أو هوية تراثية. والتربية الاسلامية ركزت على هوية اسلامية. والتاريخ والجغرافيا ابرزت هوية عربية وهوية وطنية. فلا يمكن التحدث عن أن كتبنا امتلكت توجيهاً لبناء هوية وطنية عابرة للمواد الدراسية.
3 - معايير التفكير الناقد والتفكير الابداعي ومفاهيمها في الكتب المدرسية: تشير النتائج في الجدول الى أن عمليات التفكير جاءت في المرتبة الثالثة بواقع 183 تكراراً، في 73 كتاباً، أي بمعدل 2.5 مرة في كل كتاب.
إن انخفاض هذا الاهتمام يمكن تفسيره بما يأتي:
- إن الاسئلة في نهاية الدروس كانت اسئلة استيعابية تركز على قياس مدى الحفظ، وهذا لا يمكن ان يتم الا بوجود سياسة واضحة، تطلب من المؤلفين وضع اسئلة حفظ وقياس تذكر.
- ان مؤلفينا لم يتلقوا تعليمات بإدماج مهارات التفكير، ولعل هذا واضح في ان كتب الجغرافيا مثلا وضعت انشطة تفكير بمعدل ثلاثة انشطة في الوحدة، في حين غابت مثل هذه الانشطة في مواد اخرى كاللغة العربية او التربية الاسلامية.
- قد يكون المؤلفون اكثر إدراكاً لظروف المعلمين من حيث حجم المادة وقلة الوقت، ما جعلهم يمتنعون عن ارهاق المعلمين والطلبة بأنشطة تفكير.
- وبشكل عام، يبرز بوضوح انخفاض الاهتمام بمهارات التفكير الناقد ومهارات التفكير الابداعي، فقد غابت كلية عن جميع الكتب مهارات مثل: - التوقع والتقدير. - التفكير متعدد الذكاءات: الحركي والبصري والابداعي والبيئية والاكتفاء بالذكاء اللغوي. - فحص المسلمات او عكسها، او الإثارة العشوائية او التفكير او التصغير او التشويه، فمهارات الابداع كانت غائبة عن جميع الكتب. - مهارات الخروج عن المألوف. - مهارات اتخاذ القرار وحل المشكلات.
ايضا غابت مهارات: - مهارات ادارة الذات والوقت. - مهارات استخدام المجاز. - مهارات نقد الإعلان والإعلام. - مهارات التربية الإعلامية. - مهارات قراءة ما لم يكتب. - مهارات فهم ما لم يقل.- مهارات نقد الاحداث والسيَر والروايات. - مهارات الاقتصاد في اليقين. - مهارات الشك.
4 - معايير الجمال والتذوق والفن ومفاهيمها في الكتب المدرسية: اوضحت النتائج ان هذه المعايير ومفاهيمها وردت في المرتبة الرابعة بواقع 123 مرة، أي بمعدل 1.7 مرة في الكتاب الواحد.
ويشير الجدول الى أن معايير الجمال والتذوق والفن لم تقدم مفاهيم جمالية، إنما كانت في معظمها صوراً طبيعية ملونة في كتب الجغرافيا مع عدد من الاهتمامات بالفن اليوناني والروماني عند التحدث عن الحضارات القديمة في كتب التاريخ، اما كلمة الفن والغناء والموسيقى فكانت نادرة، مثل رسم لوحة جميلة.. الخ.
كما  يشير الجدول الى اختلاف في توزع هذه المفاهيم عبر المواد الدراسية، حيث اختفت في كتب التربية الاسلامية، وكادت تختفي في التربية الوطنية (2) تكرار، والعلوم (4) تكرارات، في حين كانت في الجغرافيا صوراً ملونة. الامر الذي يشير الى أن الجمال ومفاهيمه لم يكن موضوعاً عابراً للمواد ما يدل على غياب أي توجه لهذا الشأن.
فالمهارات والقيم الجمالية، لا تبنى من خلال الصور، وحتى الصور والمناظر الطبيعية لم تقدم للمناقشة، ولم تشر الكتب له ولا يطلب من الطلاب قراءتها وتحليلها والاستمتاع بها حتى تحدث الأثر الجمالي المنشود. وغابت عن جميع الكتب النظرة الجمالية او هدف السعي لبناء ثقافة جمالية او وعي جمالي، وهذا يتضح من خلال غياب مفاهيم جمالية اساسية عن جميع الكتب مثل:
- تقدير الجمال. - الجمال الذاتي والجمال الموضوعي. - انواع الفنون: التشكيلية والمسرحية. - ابعاد الجمال، والنسبة الذهبية للجمال. - الجمال بين المضمون والشكل. - القبح والجمال. - الروعة والرقة والانسجام والتباين. - النقد الفني.
- الجمال بين الموضة والأصالة. - فن الكاريكاتير. - صناعة الجمال. - قراءة الجمال وتذوق الموضوع الجميل.
5 - معايير الحقوق ومفاهيمها في الكتب المدرسية: اوضحت النتائج أن حقوق الانسان والمرأة جاءت في المرتبة  الخامسة من حيث عدد التكرارات بواقع 120 تكرارا، أي بمعدل 1.6 تكرار في كل كتاب.
كما تشير النتائج الى ان توزع هذه الحقوق عبر المواد الدراسية بشكل عام كان ضعيفاً، وأن أكثر المواد اهتماماً كانت العلوم (26 تكراراً) واللغة العربية 26، وفي حين كانت نادرة في كتب الجغرافيا (تكرارين)، وفي الرياضيات (6 تكرارات).
واوضحت النتائج المسجلة في الجداول الفرعية في الفصول المختلفة من هذه الدراسة ان الاهتمام بحقوق الانسان كان مختصراً بالحديث عن لائحة حقوق الانسان وحقوق المرأة في الاسلام، وربط الحقوق بالواجبات، وغاب عن هذه الكتب وجود  سياسة منهجية لإدماج الحقوق في مختلف المواد باعتبارها حقوقاً طبيعية عابرة للمواد الدراسية.
وقد غابت الاهتمامات الآتية عن كتبنا في مجال حقوق الانسان وحقوق المرأة:
- تم ربط الحقوق بالواجبات، علماً بأن الحقوق طبيعية، من حق كل فرد، فالحق في العمل والتعلم والتنقل والبيئة النظيفة وغيرها ليس مشروطاً بما تقوم به من واجبات.
- ربط دائم لحقوق الانسان بالحقوق الإسلامية دون تركيز او اشارة لمختلف الاديان والشرائع السابقة، علماً بأن  الحقوق الاسلامية مشروطة بواجبات والتزامات روحية عديدة.
- غياب مفاهيم الحق وانتهاك الحق والمنظمات الدولية العاملة في مجال الحقوق.
- ضعف التركيز على حقوق المرأة والفجوة الجندرية، بل وانتهاك هذه الحقوق في مواقف عديدة، مثل التحيز الواضح في عدد صور الذكور وأسماء الذكور وانماط الادوار.
- الابتعاد عن طرح قضايا المرأة في المساواة الكاملة او طرح المشكلات التي تواجهها المرأة في حياتها الشخصية أو المهنية.
ويبقى السؤال: - هل تنمّي كتبنا الوعي بحقوق الانسان؟ - وهل قدمت ما يكفي في مجال التربية على الحقوق؟
ان غياب طرح مشكلات المرأة والفجوة الجندرية والتحرش والدور القيادي وتفوق الاناث في الدراسة، واحترام الدور الايجابي، وحرية الاختيار وجرائم الشرف والتهميش وتفضيل المواليد الذكور، وزواج القاصرات والعنف الجنسي، قد يجيب عن هذا السؤال.
6- نبذ التطرف والتعصب وخطاب الكراهية في الكتب المدرسية: اوضحت النتائج ان الاهتمام بقضايا التطرف والتعصب احتل المرتبة الاخيرة في الكتب المدرسية بواقع 43 تكراراً أي بمعدل 0.5 مرة في الكتاب الواحد. وان اكثر الكتب اهتماماً بهذا المعيار كانت كتب التربية الوطنية (19 تكراراً)، وكتب اللغة العربية (13) تكراراً بمعدل (مرة واحدة في الكتب) ثم كتب التربية الاسلامية بمعدل 0.5 مرة في كل كتاب.
وتشير الجداول المذكورة في الفصول المختلفة الى أن معظم ما ورد كان في التربية الوطنية عن معلومات عن التسامح والتطرف في أحد الدروس، وان المفاهيم ذات الصلة بالتطرف والعنف لم تناقش بشكل جاد في هذه الكتب.
وقد غابت عن هذه الكتب المفاهيم الآتية: - قداسة ما نسمع ونقرأ وضرورة إخضاعه للنقد. - الثقة بالمسلمات، واتخاذ موقف مؤيد قوي لما نراه صحيحاً. - التواضع الوجودي من حيث أننا لسنا دائماً على حق. - التقوى الفكرية بمعنى الاعتدال في الموقف. - تعددية الأديان. - العقل التداولي بمعنى عدم اتخاذ مواقف فكرية جامدة.
ملخص الفصل: كان الاهتمام بالمعايير المختلفة محدوداً، وغير موزع بطريقة منهجية، حيث تكثر بعض المفاهيم في مواد وتختفي او تقل في مواد أخرى، فالمفاهيم عابرة المواد ليست من ثقافة هذه الكتب، بل ارتبط عرض المفاهيم بمدى صلتها بالمادة الدراسية.
كما عكست النتائج غياب نظرة شاملة لتحقيق وعي مفاهيمي معين، او تربية معنية بجميع المعايير التي شملتها الدراسة، وقد كان واضحاً ابتعاد الكتب عن مناقشة اكثر التحديات المجتمعية والفكرية وهي نبذ التعصب والتطرف او القضايا ذات الصلة بالتفكير والحقوق والمواطنة، وهذا يمكن تفسيره بغياب المناهج عن مشكلاتنا، وغياب الثقافة المرتبطة بتربط المواد أو المفاهيم العابرة للمواد.

* مجتمع النهضة التربوي.

التعليق