علاء الدين أبو زينة

ما بعد الحالة الثورية الفلسطينية

تم نشره في الخميس 22 شباط / فبراير 2018. 01:06 صباحاً

وُصِفت الحالة الثورية الفلسطينية دائماً بأنها طليعة حركة التحرر العربية –بالمعنى الأوسع للحرية. والآن، وقد مُنيت الحالة الثورية الفلسطينية المنظمة بالكثير من النكسات وانكمشت بفعل الاستهداف الخارجي الكثيف والأخطاء الذاتية، يبدو هذا الوصف أصدق من أي وقت مضى.
في الوضع العربي الراهن الموسوم بضيق مساحات التعبير وحرية الفرد وتراجع الأمل، يتذكر المرء بحنين تلك الفضاءات التي أتاحتها ذات يوم التكوينات الثورية الفلسطينية. كانت تكوينات مركبة، ببعدها العسكري الذي جسّده الكفاح المسلح، وبعدها الإنساني كمشروع تحرُّري، ومشروعها التنويري الثقافي الذي ضم الحوار الأيديولوجي والفكري إلى التعبيرات الفنية والإبداعية المتنوعة.
لم تكن الحالة الفلسطينية بالضبط مسألة معسكرات فدائيين ومخيمات أو مناطق نفوذ الفصائل المحاطَة بشيء مختلف غير مرحِّب في بعض الأحيان –ولو أن الكثيرين من العرب وغير العرب أحبوا القدوم فيزيائياً إلى هذه الأماكن التي رأوها مساحة جغرافية لعيش فكرة الحرية. كان الكثيرون ينتمون عاطفياً إلى هذه الأماكن ويندغمون في الحالة التي تمثلها ولو عن بُعد. وبالإضافة إلى المبدعين الفلسطينيين الكثر الذين تواجدوا هناك موضوعياً وشاركوا في النضال العسكري و/أو الثقافي –غسان كنفاني وناجي العلي مثلاً- كان هناك عدد يصعب حصره ممن اشتغلوا بالموضوع الفلسطيني بأكثر من طريقة.
هناك الشعراء والموسيقيون والمسرحيون والمفكرون العرب الذين تركز إنتاجهم على هذا الموضوع، وارتبطوا بعلاقة تبادلية مع الحالة الفلسطينية، فأسهموا في إغنائها وتوسيعها، وهي منحتهم حِساً بالغاية، وزودتهم بوسيلة للتعبير عن رؤاهم الأوسع لمفاهيم التقدم والحرية في بلدانهم والعالَم ككل. وفي كثير من الأحيان، واجه هؤلاء المثقفون مختلف أنواع المضايقات من أنظمتهم المحلية، باعتبار أن استلهام المشروع التحرري الفلسطيني لا ينفصل عن المشروعات التحررية المحلية ويشيع مناخاً ثورياً ضد أي منظومات استبدادية.
في الموسيقى، على سبيل المثال لا الحصر، برز اتجاه سُمّي أحياناً، الأغنية البديلة، أو الملتزمة، أو الإنسانية. وفكرتها أن التعبير الفنّي عن الحالة الإنسانية ينبغي أن يتجاوز الخبرة العاطفية الشخصية ويتقمص خبرة أكثر عمقاً وعمومية. لم تكن تلك أغنية عسكرية تحريضية حصراً، وإنما تناولت مختلف أنواع العلاقات والعواطف بين الناس وبينهم وبين مكونات العالم، بمنظور منسوب الحرية المتاح لتحققها بطريقة إيجابية وعادلة. ونتذكر من تلك المرحلة عشرات الفرق الفنية التي استرشدت بالحالة الفلسطينية في كل الوطن العربي، وكذلك الفنانين الأفراد الذين مثلوا حالة ثورية شكّل الموضوع الفلسطيني جوهرها أو جزءاً مهماً منها.
وبالطبع، انطبق هذا إلى حد كبير على النتاجات الروائية والشعرية وفنون الرسم والنحت والكاريكاتير، بالإضافة إلى نشاط البحث والفكر والندوات والمناسبات الثقافية والفنية. وبالإجمال، حضرت الحالة الفلسطينية بكثافة لتعبئ الفراغ الذي تخلف بعد استقلال البلدان العربية عن مستعمريها الأوروبيين، وتساعد النضالات الجديدة بعد أن حلت محل الاستعمار الغريب أنظمة محلية غير متحررة ولا لها مصلحة في حكم مواطنين متحررين.
مرت الحالة الفلسطينية بهذه التجليات، إذا جاز التحديد، بمرحلتين: الأولى منذ انطلاق الثورة الفلسطينية كحركة كفاح مسلح في العام 1965 وحتى خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان في العام 1982. وإلى حدِّ ما –وعلى الرغم من النكسات العديدة في هذه المرحلة، ساد بشكل ما حِس انتصاري آمل. لكنَّ خروج المقاومة الفلسطينية المسلحة النهائي من لبنان وتوزعها في شتات جديد، ربما أفقدَ الحالة الفلسطينية تجسيدها المكاني والجوهر الحيوي الذي كانت ترعاه الفصائل و"مؤسساتها" الثقافية، متمتعة بنوع من "الاستقرار" والحرية النسبية.
المرحلة التالية، التي بدأت من 1982 غادرها نسبياً ذلك الحسّ الانتصاري القديم وناجزه شعور بالخسران والحصار. كانت الحالة الفلسطينية قد خسرت جزءاً مهماً من رموزها الثقافية بالاغتيالات. وخرجت المقاومة المسلحة شبه عارية بسلاحها الخفيف. وكسب حديث "السلام" جرأة. ومن تجليات الوضع الجديد، مثلاً، اختفاء الأغنية القوية المحرِّضة التي مثلتها "أغاني الفرقة المركزية" لصالح شيء أقرب إلى البكائيات من نوع "وين الملايين" –ربما باستثناء التماعة الانتفاضة الأولى. وانتهت هذه المرحلة بهزيمة العراق وقدوم أميركا إلى المنطقة، ومؤتمر مدريد للسلام 1991، فاتفاقيات أوسلو 1993، التي حولت حركة التحرر الفلسطينية، كحالة غنية التجليات ومشروع تحرر آمل، إلى "سُلطة".
ولم يأتِ شيء ليعوض المساحات التي فتحتها ذات يوم الحالة الفلسطينية الثورية، والتي لا تني تضيق.

التعليق