"الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا"

تم نشره في الجمعة 23 شباط / فبراير 2018. 12:00 صباحاً

د. محمد المجالي

الإسلام منهج عميق في أساليبه التوجيهية ودعوته إلى الاعتبار والإفادة من الأخطاء، يعلم الله سبحانه أن البشر ناقصون قاصرون، تتنازعهم قوى خفية وعلنية، بل نفوسهم أحيانا قد تكون من أعدى أعدائهم، وهكذا يسير الإنسان في دنياه بمنهج أو بلا منهج، بدين أو بدون دين، بمبدأ وهدف أم هكذا خبط عشواء، كل يظن أنه صحيح مطمئن، ولا بد من النظرة العميقة في حقائق الأشياء، فلا يغرنّك مدح المادحين، ولا ذم الذامين، فالأمور بنتائجها، والإنسان بفطرته النقية وعقله الوقّاد يدرك هل هو على الجادة بأوصافها المنطقية الإيجابية، أم هو مجرد تقليد وعادة كما قال بعضهم: "إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون"، أم أن أحدنا يظن طريقه هو السليم، وتختلط معالم المنهج عموما ومعها الغايات العظمى ليستقر على وسائل ربما انقضى عهدها، فيبقى يراوح مكانه، وربما أنتج سلبيات بدل الإيجابيات، فنقاء الفكرة وسمو أهدافها شيء، ووسائل تحقيقها شيء آخر.
أعلم أن العنوان آية هي جواب على استفهام جاء في آية قبلها: "قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا"، فيأتي الجواب: "الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا"، فالآية تتحدث عن قوم ضالين، ولكن المصيبة أنهم بأفهامهم المعكوسة، وأنفسهم المغرورة، وشياطينهم التي توجههم، قد ظنوا أنهم يحسنون صنعا، فقد لُبِّس عليهم بأنهم صواب، وأعمالهم صواب، فهؤلاء هم الأخسرون لا مجرد الخاسرون، لأنهم ضلّوا وخُدِعوا، فهم كما تخبر الآية بعدها: "أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا، ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا"، وانظر كيف أن كفرهم بالله ولقائه في الآخرة واستهزاءهم بالوحي والرسل قد سبب لهم تلك المشاعر الغرورية فكانت النتيجة ضلالا وخسرانا.
أريد أن أسقط الآيات لا على مجرد الكافرين الضالين، ومعاذ الله أن أحكم على من سأتحدث عنهم بالخسران، ولكنها دعوة إلى إعمال العقل قليلا في رسالة أوجهها إلى كل متعصب برأيه، وجد نفسه في تيار ما، عقدي أو فقهي أو عبادي أو فكري أو حزبي، وكذلك سياسات المؤسسات والحكومات، أن يفكر أحدنا قليلا، ليراجع نفسه، فالصحابة رضوان الله عليهم كان من منهجهم أنهم كانوا يجددون النية، وينصح بعضهم بعضا فالدين النصيحة، وأعلم أن من المستحيل جمع الناس على طريقة واحدة من الفهم والتطبيق، فالاختلاف المحمود يثري الحياة، ولكنني أتحدث عن الأخطاء الواضحة، والتعصب القاتل الذي يسبب العداوة والبغضاء وربما التضليل والتكفير للآخر، وبالتالي يعيش الفرد والمجتمع معا في حالة من الاضطراب والشتات والضياع.
لِمَ لا يحاسب كل واحد منا نفسه، ويقيّم مسيرته بناء على هذه الآية، بأن يحتاط أن لا يكون من المشمولين بمفهوم (الأخسرين أعمالا)، ومرة أخرى لا من جانب الكفر والخسران، بل من جانب التصحيح ومراجعة الحق (وقد تحدثت في الأسبوع الماضي عن مراجعة الحق)، ليكون هذا المنهج في المراجعة والتصحيح على مستوى الفرد العادي، والمسؤول والحاكم والجماعة والحزب والحركة، ويكون السؤال: (هل أنا على صواب؟)، والحكم يأتي بالمقارنة مع مقاصد الشريعة والحياة العامة، ومع منطق الأشياء، وهذا كله بحاجة إلى صفاء، ولا يكون الصفاء إلا بخلوة مؤقتة وتجرد لله كامل، إن كنا نريد فعلا النجاة والاستقرار والفوز، على المستوى الفردي والمجتمعي.
لقد عادت قريش رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وتفننت في عدائه واتهامه بالسحر والجنون والكذب، فأنزل الله على رسوله قوله: "قل إنما أعظكم بواحدة؛ أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا: ما بصاحبكم من جِنّة، إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد"، وآخذ من النص أهمية التفكير الفردي أحيانا، خاصة فيما يظنه أحدنا ضمن التفكير الجماعي والغوغائي أنه صحيح، فلو انفرد بنفسه وفكر فربما يغير من قناعاته، فهل محمد صلى الله عليه وسلم المعروف عندكم يا قريش بأنه الصادق الأمين هو مجنون كما تقولون!؟
هل الفكرة التي أنتصر لها صحيحة؟ ربما تكون صحيحة، ولكن: هل هذا وقتها؟ أو: هل هذا أسلوب تحقيقها الأنجح؟ أو: هل هناك ما هو أشمل وأدق منها؟ كم من الجماعات مثلا قد وضح للعقلاء شدة منهجها وأسلوبها واضطراب مخرجاتها، فهل أبقى مصرا على اتباعها فضلا عن مدحها وأنها المقصودة بالطائفة المنصورة!؟ وهناك جماعة أخرى قد انتهى مفعول أساليبها رغم انتشارها، وعلامات الانشطار واضحة على أخطاء متراكمة مستمرة هي أقرب إلى الوسائل منها إلى الفكرة، ومع ذلك يتشبث أحدهم بوسائلها وكأنها مفتاح الفرج، ولا يريدون تجديدا ولا مراجعة حقيقية! ومجموعة أخرى لا ترى في التغيير إلا من القمة، وهي ترى التجارب أمامها التي ترشدها إلى ضرورة التغيير، ولكنه التعصب الذي يسد أي أفق للترشيد نحو الأفضل، وهكذا تلك الطرق التي تتجاوز المنهج النبوي في تشريع العبادة بمظاهرها المختلفة، وما تصاحبه من تجاوزات ربما تخِل بالإيمان نفسه، فالتزكية وسمو الروح لها مجالاتها الواسعة، أما تعظيم الأشخاص واعتقاد نفعهم وضرّهم فهو أمر عجيب يتنافى مع أسس هذا الدين العظيم.
لا أبالغ إن قلت بأن سوء فهم هذا الدين من قِبَل أبنائه هو أشد فتكا بالمسلمين من أعدائهم، فلو كان الفهم الصحيح لكان الاتباع الصحيح والفعل الصحيح والعلاقة الصحيحة بيننا حبا وأخوّة وتعاونا، ومع غيرنا تمييزا بين مسالِم ومحارِب، ولكل أسلوب التعامل معه، وحينها نستشعر طمأنينة الحياة وسعادتها، ونستشعر المعية الحقيقية لله تعالى، فهو مع الذين اتقوا وأحسنوا هدى وحبا ورضى وتأييدا، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

التعليق