الحرب الباردة الثانية

تم نشره في الجمعة 2 آذار / مارس 2018. 01:00 صباحاً

ريتشارد هاس*

نيويورك- استمرت الحرب الباردة لأربعة عقود، وفي نواح كثيرة كانت بدايتها ونهايتها في برلين. والخبر السار هو أنها بقيت باردة -لأن الأسلحة النووية فرضت انضباطاً لم يكن موجوداً خلال منافسات القوى العظمى السابقة- بالإضافة إلى انتصار الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين والآسيويين، فيما يعود إلى الجهود السياسية والاقتصادية والعسكرية المستمرة التي لم يتمكن الاتحاد السوفياتي من التماشي معها في نهاية المطاف.
بعد ربع قرن من انتهاء الحرب الباردة، نواجه الآن حرباً ثانية مختلفة ومألوفة على حد سواء. لم تعد روسيا قوة عظمى، وإنما هي بلد يبلغ عدد سكانه نحو 145 مليون نسمة، مع اقتصاد يعتمد على سعر النفط والغاز، في غياب أيديولوجية سياسية. وعلى الرغم من ذلك، فإنها ما تزال إحدى الدولتين الرئيسيتين اللتين تمتلكان الأسلحة النووية، ولها مقعد دائم في مجلس الأمن، وهي مستعدة لاستخدام قدراتها العسكرية والطاقة والإنترنت لدعم الحلفاء وإضعاف الجيران والخصوم.
كان هذا الوضع محتوماً. وكان من المتوقع أن تستهل الحرب الباردة حقبة جديدة من العلاقات الروسية الودية مع الولايات المتحدة وأوروبا. وكان الكثيرون يعتقدون أن روسيا ما بعد الشيوعية سوف تركز على التنمية الاقتصادية والسياسية. وبدأت العلاقات بداية جيدة عندما تعاونت روسيا مع الولايات المتحدة -بدلاً من العراق- في تقويض غزو صدام حسين للكويت.
لكن هذا التعاون لم يدم طويلاً. وهذه مسألة سيناقشها المؤرخون لعقود قادمة. سوف يلقي بعض المراقبين اللوم على الرؤساء الأميركيين المتعاقبين، مع الإشارة إلى نقص الدعم الاقتصادي المقدم إلى روسيا التي تعاني من صراعات عدة، والأكثر من ذلك، إلى توسيع حلف شمال الأطلسي، الذي من المحتمل أن يحذو حذوها، من خلال اعتباره روسيا بمثابة خصم محتمل.
صحيح أن الولايات المتحدة يمكنها، بل كان ينبغي لها أن تكون أكثر سخاء خلال انتقال روسيا المؤلم إلى اقتصاد السوق في التسعينيات. كما أنه من غير الواضح أن توسيع الناتو كان أفضل من الترتيبات الأمنية الأخرى لأوروبا التي كانت ستشمل روسيا. ومع ذلك، فإن نصيب الأسد من المسؤولية عن ظهور حرب باردة ثانية هو نصيب روسيا، وقبل كل شيء فلاديمير بوتين. وكالعديد من أسلافه، اعتبر بوتين النظام العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة تهديداً لحكمه ولما اعتبره المكان الصحيح لبلاده في العالم.
لقد استخدمت روسيا في السنوات الأخيرة القوة المسلحة لاحتلال والاستيلاء على شبه جزيرة القرم، وهي عملية تنتهك المبدأ الأساسي للقانون الدولي الذي لن تتغير حدوده بالقوة. ويواصل بوتين استخدام الوسائل العسكرية والسرية لزعزعة الاستقرار في أوكرانيا الشرقية وجورجيا وأجزاء من البلقان. وقد استخدمت روسيا القوة العسكرية بطرق وحشية بشكل خاص في سورية لدعم نظام بشار الأسد المروع.
وقد ذهب بوتين إلى أبعد من ذلك، على حد تعبير المستشار الخاص الأميركي روبرت مولر، لتنفيذ "الاحتيال والخداع لغرض التدخل في العمليات السياسية والانتخابية الأميركية، بما في ذلك الانتخابات الرئاسية لعام 2016". وقد أوضح رؤساء أجهزة المخابرات الأميركية أنهم يتوقعون المزيد من هذه الجهود من الآن وحتى انتخابات الكونغرس في منتصف المدة في تشرين الثاني (نوفمبر).
وبما أن روسيا أصبحت دولة تحريفية، وإن كانت هناك القليل من الشكوك حول قلب الوضع القائم بأي وسيلة، فإن دعم الدفاع الأوروبي وتوفير الأسلحة الفتاكة لأوكرانيا هو رد منطقي. ولكن، ما الذي ينبغي على الولايات المتحدة القيام به، بالإضافة إلى الحد من ضعف آلات التصويت ومطالبة شركات التكنولوجيا باتخاذ خطوات لمنع الحكومات الأجنبية من محاولة التأثير على السياسة الأميركية؟
بداية، يجب على الأميركيين الاعتراف بأن الدفاع ليس كافياً. وكان الكونغرس محقاً في المطالبة بفرض عقوبات إضافية، لكن دونالد ترامب مخطئ في رفض تنفيذ العقوبات التي صادق عليها الكونغرس بالفعل.
يتعين على الحكومة الأميركية أيضاً التعبير عن رأيها وانتقاد نظام روسي يعتقل خصومه ويقتل الصحفيين. وإذا كان ترامب ما يزال يدلل روسيا، لأي سبب من الأسباب، فيجب على الكونغرس، ووسائل الإعلام، والمؤسسات، والأكاديميين الكشف عن الفساد الذي يميز حكم بوتين. وقد يؤدي تعميم مثل هذه المعلومات إلى زيادة المعارضة الداخلية لبوتين، وإقناعه بالتوقف عن مزيد من التدخل في السياسة الأميركية والأوروبية، ومع مرور الوقت، ودعم قوى أكثر مسؤولية داخل روسيا.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن يكون الهدف هو إنهاء ما تبقى من العلاقات الأميركية الروسية، التي هي بالفعل في حالة أسوأ مما كانت عليه في الحرب الباردة الأولى. وينبغي السعي إلى التعاون الدبلوماسي كلما أمكن ذلك، وذلك لصالح أميركا. وربما تكون روسيا مستعدة لوقف التدخل في شرق أوكرانيا مقابل تخفيف العقوبات، إذا أمكن التأكد من أن الروس العرقيين لن يواجهوا أعمالاً انتقامية. وبالمثل، فإن الكرملين ليس له مصلحة في التصعيد العسكري في سورية الذي من شأنه أن يزيد من التكلفة المتواضعة نسبياً لتدخله هناك.
وفي الوقت نفسه، هناك حاجة إلى دعم روسيا لتشديد العقوبات ضد كوريا الشمالية. وسيكون الحفاظ على ترتيبات تحديد الأسلحة وتجنب سباق تسلح نووي جديد أمراً في مصلحة كلا البلدين.
وبالإضافة إلى ذلك، هناك حاجة لعقد اجتماعات دبلوماسية منتظمة، وتبادل ثقافي وأكاديمي، وللقيام بزيارات من جانب وفود الكونغرس -ليس كامتياز، وإنما كوسيلة لإثبات أن العديد من الأميركيين يميلون إلى إقامة علاقة ودية مع روسيا إذا تصرفت بمزيد من ضبط النفس. وللولايات المتحدة وحلفائها مصلحة في أن تلتزم روسيا بالانضباط في فترة حكم بوتين -وفي روسيا التي ستتميز بشيء مختلف عن مذهب بوتين بعد رحيله.

*رئيس مجلس العلاقات الخارجية في الولايات المتحدة الأميركية. كان مدير تخطيط السياسات في وزارة الخارجية حتى 2003.
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق