الشروط العُمرية، غيرُ صحيحة!

تم نشره في الجمعة 9 آذار / مارس 2018. 12:00 صباحاً

م. غيث هاني القضاة

من المهم جدا أن أنوه بداية أنني أتحدثُ هنا عن  ما يسمى في التراث الإسلامي "بالشروط العمرية" وهي تماما غير "العُهدة العُمرية" التي أعطاها الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأهل مدينة القدس "إيلياء" عند فتحها صُلحا،  حيثٌ سجّلت هذا العُهدة صورة ناصعة جدا لأعظم صفحات الإسلام،  والتي تمثلت باحترام خصوصية المُخالفين بإعطائهم الأمان على أنفسهم وأموالهم وممتلكاتهم وأماكن عبادتهم  ومعاملتهم "كأهل ذمة" بكل عدل وإنصاف في ذلك الزمن المليء بالظلم والتوحش وعدم احترام الآخر،  وكانت العُهدة وما زالت موضع فخر عند المسيحيين والمسلمين على حد سواء والذي يتذكرون فيه تسليم بطريرك القدس "صفرونيوس" مفاتيح المدينة لأمير المؤمنين عمر بكل محبة ورضى.
وقد وضع وذكر البعضُ إما جهلا أو قصدا وتعمدا عنوان "العُهدة العُمرية" فوق ما يُعرف عند بعض العلماء "بالشروط العُمرية"، وبكل أسف نجد ذلك في الكتب والمصادر والمراجع التاريخية ومواقع الانترنت وغيرها،  ومن الواضح لنا عند استعراض نصوص "الشروط العمرية " المنسوبة زورا الى الخليفة عمر،  أننا أمام إفتراء كبير وكذب غير مسبوق، وأننا أمام تناقض غريب ومخيف ومريب بين الوثيقتين،  فلا يُعقل أن يصدر في الشروط العٌمرية ما يُخالف ويُناقض نصّ وروح النصوص الموجودة في العهدة العمرية !
عند استعراض ما يُسمى بالشروط العمرية كما وردت في كتاب "احكام اهل الذمة" لابن القيم رحمه الله، وهي الشروط –بحسب الروايات الضعيفة المنقطعة وغير الموثقة- التي أرسلها أحدُ القادة الى الخليفة عمر حين صالح نصارى أهل الشام، قائلا فيها :"بأن على النصارى أن يلبسوا لباسا خاصا بهم، ولا يتشبهوا من المسلمين في شيء من لباسهم، وأن يوّقروا المسلمين! وأن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس! ولايكتنوا بكناهم، ولا يركبوا سرجا "يعني لا يركبون خيلا "، وأن يشدّوا الزنانير على بطونهم " يعني تمييزا لهم من سائر الناس"،  وأن "يقُصوا " مقادم رؤوسهم، ولا يُظهروا صليبا ولا شيء من كتبهم على شيء من طرق المسلمين! و لايجاوروا المسلمين بموتاهم،  وأن لا يُعلّموا أولادهم القرآن !...وهكذا "الى عشرات الشروط السخيفة التي تخالف العقل وتُخالف مقاصد الإسلام وتتعارض مع نصوص القرآن الصحيحة التي تدعوا الى عكس ذلك تماما، وتتعارض مع الحرية واحترام النفس الإنسانية وتوقير الذات  التي يُنادي بها الاسلام.
من المؤسف أيضا أن ابن كثير في تفسيره، وشيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى،  ذكروا هذه الشروط كما ذكرها غيرهم دون التوثق من صحتها ! حتى أن  الامام  ابن الجوزي المولود سنة 691 هجرية، قد أورد هذه الشروط وذكرها في كتبه دون أن يتأكد من مصادره كما ذكر هو، بل علّق قائلا –بصورة غير علمية- "وشهرةُ هذه الشروط تُغني عن أسانيدها"! حيث اعتمد على شُهرة الرواية فقط بعد أن فطن لضعف سندها، ولم  ينظر أيضا في نصوص "الشروط  الغريبة المُريبة" حينها! ولم ينظر في ضعف السند ووهنه وانقطاعه! كما أكد على ذلك العديد من الباحثين، وقد كان من أول الباحثين المعاصرين الذين انتبهوا لذلك وشكك في الشروط العمرية سندا ومتنا، هو الأستاذ صبحي الصالح في بحث عميق ودقيق،  ثم جاء بعده مجموعة من المتخصصين الذين أكدوا على عدم صحة هذه الرواية للشروط العُمرية .
من المفارقات العجيبة أن أول من شكّ من غير المسلمين في صحة نسبة هذه الشروط الى عمر،  هو المستشرق البريطاني "توماس ارنولد" في كتابه المشهور "التبشير بالإسلام“،  لأنها خالفت مبادئ الإسلام التي درسها وقرأ عنها !ثم انتقدها أيضا باحث انجليزي متمرس من جامعة أكسفورد وهو "أ.س. ترتون" وذكر ذلك في كتبه وابحاثه، في حين ما يزال وبكل أسف بعض المسلمين يؤكدون جهلا وعمدا صحة نسبتها الى الخليفة عمر! بل يتناولون شروطها المُخزية بكل فخر واعتزاز! ومن المُلفت للنظر أيضا أن الباحثة والمستشارة للشؤون الخارجية في الكونغرس الأميركي "بات ياؤور" وهي  كلمة عبرية تعني "بنت النيل"، وهو بالمناسبة  الاسم المستعار لهذه الباحثة ذات الاصول المصرية،  تستخدم نصوص هذه "الشروط" ومفهوم "أهل الذمة" لتؤكد دائما في جميع لقاءاتها ومقابلاتها واستشاراتها للكونغرس، أن عهود  المسلمين وعقودهم عقود إكراه وعهود ظلم واقصاء وتهميش للبشر بسبب دينهم.
ما يسمى بالشروط العمرية أو نسبتها الى الخليفة عمر باعتقادي هو نسبة غير صحيحة،  ويُراد منها الإساءة الى هذا الخليفة والى هذا الدين الإسلامي العظيم الذي قدّم صورا مشرقة من صور احترام الآخر واحترام خصوصيته، وقد أخطا من نسبها للخليفة العادل عمر دون أن يتوثق من صحة المتن وصحة السند،  فهي رواية تاريخية تخضع لميزان العقل والمراجعة والنقد والتقييم، ولا بد من التأكيد أيضا  بأن  مصطلح "أهل الذمة " هو مصطلح لم يعد قابلا للتطبيق هذه الأيام، وقد كان  التطبيقُ مثاليا في عصر النبوة والخلافة الراشدة،  وتم بموجبه حفظ حقوق الناس بصورة مُشرقة تدعونا للفخر والاعتزاز، لكن الدول هذه الأيام أساس الانتماء لها هو "المواطنة"، و لايصحُ تمييز شخص عن آخر بسبب دينه أو عرقه، أو وضع شروط خاصة تحكم حياته وسلوكه على ذلك الأساس، بل إن الانتماء الى الوطن والمواطنة الحقّة هي المعيار الوحيد لقياس الانتماء والولاء للدولة والوطن.

التعليق