قراءات تنموية - 1 من 2

اقتصاديات مجتمع محلي في ظروف أزمة.. درس من مخيم ‘‘الزعتري‘‘

تم نشره في الأحد 11 آذار / مارس 2018. 01:00 صباحاً
  • لاجئون سوريون في مخيم الزعتري للاجئين الذي يقع على مساحة 8500 دونم شرق المفرق- (تصوير: محمد أبو غوش)

أحمد أبو خليل

عمان- لا بد من ملاحظة أولية عن هذا التقرير، فقد أمضيت أكثر من عشرة أيام عمل في مخيم الزعتري للاجئين السوريين، بهدف التعرف على الآليات التي تُنظم العيش فيه، وكيف استطاع سكانه القادمون إليه أصلا كأفراد أو كأسر صغيرة، وأحيانا كمجموعات قرابية أو تربطهم علاقات جيرة عادية، ومن مواقع مختلفة ومتباعدة نسبيا في سورية.. كيف استطاعوا، أن يكوّنوا مجتمعا منضبطا إلى حد كبير يمارسون فيه اليوم حدا معقولا من الحياة "الطبيعية".
ولإعداد هذه التقرير، اعتمدت أسلوب الاستماع إلى أكبر عدد ممكن من قصص السكان التي شهدوها شخصيا بأعينهم، وقد شملت التعرف على مسيرة اللجوء للشخص المعني، من القرية الأصلية إلى المخيم، ولكن من دون الدخول في الشأن السياسي المباشر، فلم أكن معنيا بموقف المبحوثين أو رؤيتهم أو تحليلهم السياسي، بقدر الاهتمام بتجاربهم المباشرة، وبالطبع قد يشمل ذلك الشأن السياسي ولكن ليس من خلال سؤال مباشر من طرفي.
وكنت بعد أشهر على قيام المخيم (أقيم المخيم نهاية العام 2012)، قد زرته وسجلت بعض الملاحظات في تقرير قصير، وهذا ما وفر لي الآن فرصة المقارنة وملاحظة التغيرات.
وفي الحالتين لم يشمل بحثي الجهات الرسمية سواء المحلية أو الدولية، وذلك بالأساس لأن هذه الجهات، وبحكم مهماتها، تعطي عادة أجوبة "رسمية" أو "مسؤولة"، بينما كان هدفي الحصول على إجابات "أهلية".
كيف يتشكل المجتمع؟
رغم أن قصة "مخيم الزعتري" مرتبطة في الأصل بالشأن السياسي والقانوني والإداري لاحقا، إلا أن نشوءه واستمراره لهذه السنوات، يشكل فرصة لمراقبة كيف تتحول كتلة بشرية كبيرة إلى مجتمع متكامل له آليات حياة، وتنتظمه أسس تحدد العلاقات بين سكانه وتمكنه من العيش مع مستوى ملحوظ من "الاستقرار".
عند بداية نشوء المخيم، كانت شؤون سكانه الرئيسية تدار مركزيا، فقد أقيم المخيم أصلا فوق قطعة أرض بعضها مستأجر، وقد أقيمت فيها على عجل بنية تحتية أساسية بسيطة، مثل بعض الشوارع، وعدد من المطابخ والمرافق الصحية الجماعية، وكانت الأسر الداخلة تزود بخيمة أو "كرفان"، ثم تلاشت الخيم لصالح الكرفانات، وانتظم السكان في البداية وفق زمن دخولهم إلى المخيم، ثم سمح لهم بإعادة الانتشار وفق المناطق التي قدموا منها، وكان ذلك ضروريا للحفاظ على الأمن الشخصي وترتيب العلاقات وحل الخلافات، وحينها شهد المخيم قدرا كبيرا من الفوضى.
سرعان ما بدأت المبادرات بهدف استئناف الحياة وفق أفضل الشروط التي صنعها السكان بأيديهم. وهنا بدأت قصص ابداع حقيقية تميز بها السوريون عموما.
ومن أبرز ما لفت انتباه وسائل الإعلام التي زارت المخيم بعد زمن قصير على قيامه، ذلك السوق الذي أقامه السكان في الشارع الواقع على امتداد المدخل الرئيسي، والذي أطلق عليه اسم "الشانزلزيه"، والذي أقيم على شكل أكشاك صغيرة من صفائح معدنية.
وقصة هذه الصفائح تستحق الذكر لأنها من أول المبادرات، فالسكان لم يزودوا بصفائح لغاية بناء أكشاك. وما حصل أنه شب حريق في إحدى الخيم بسبب مدفأة، وهو ما دفع إدارة المخيم لتزويد كل خيمة بعدة صفائح لتفصل المدافئ عن الأطفال داخل الخيمة، ولكن مع سرعة استبدال الخيم بالكرفانات وانتفاء الحاجة للصفائح، بادر بعضهم إلى استخدام الصفائح كجدران للأكشاك.
كانت المحلات في البداية بسيطة، وقد سمح لسكان القرى المحيطة في المفرق بالعمل كموردين للبضائع، وفي الأشهر الأولى كان التعامل بالليرة السورية وبالمفردات السورية وبالمحتويات السورية للمحلات الصغيرة تلك. وقد استند السكان إلى رأسمال بسيط جدا حمله اللاجئون معهم. ثم شهد السوق عمليات تراكم بسيطة.
بسرعة نسبية، ومع تزايد عدد السكان، وإحساسهم بأن الإقامة قد تطول، كان السوق يتمدد ويتنوع محتواه، وامتد جغرافيا على شارع كبير آخر عرضي يتقاطع مع الشارع الأول. ثم امتد النشاط التجاري إلى الشوارع الفرعية والحارات، واليوم يتكون سوق المخيم من حوالي أربعة آلاف محل موزعة، تشمل السلع والخدمات المختلفة اللازمة، (وفق احصاء شخصي يمكن الوثوق به) غير انه مع تقلص عدد سكان المخيم بسبب العودة أو الخروج، فإن عددا ملحوظا من المحلات مغلق.
بالطبع فإن الإدارة العامة للمخيم قد تطورت وأصبحت منظمة إلى درجة كبيرة، فإلى جانب "كرفانات" الإدارة التي تشمل المنظمات الدولية ومباني الإدارة الأمنية، فقد توزعت مواقع الخدمات الصحية والتعليمية ومرافق التزويد والتوزيع على مساحة المخيم، وأقيم فيه مركزان تجاريان كبيران، يسميهما السكان "مولات"، وهما المركزان الوحيدان لصرف المخصص الرسمي للاجئ (كوبون بقيمة 20 دينارا للفرد في الشهر)، وهذا ما قاد فورا إلى تشكيل نشاط تجاري على هامش هذه العملية، يتمثل أساسا بعمليات مبادلة للحصة بمبلغ نقدي، يمكن لصاحبه أن يتصرف به، وهناك عدد من السلع التي يطلبها السوق مثل الحليب والزيت، وعادة ما تكون هي مجال المبادلة، لأن عملية الشراء يجب أن يقوم بها مستحق المخصص المباشر.
فرص العمل
نشأ في سوق المخيم مراكز لتجارة الجملة، وأحياناً "جملة الجملة" ويتعامل معها تجار السوق بالمفرّق. وبالطبع فإن أغلب التجار يتعاملون باحجام صغيرة، وببضائع يختارونها بعناية من حيث السعر والجودة، ذلك أن المقدرة الشرائية محدودة حكماً.
هناك فرص عمل "رسمية" توفرها المنظمات والجهات التي تعمل في المخيم، وتدفع المنظمات أجورا محدودة مقارنة بالأجور التي تدفع لغير اللاجئين، وذلك وفق منطق عمل هذه المنظمات التي تعتبر الأجر نوعا من المساعدة، ولهذا فإن هناك عملية تدوير لفرص العمل بين شباب المخيم، بحيث تتوزع الفرص على أكبر عدد ممكن. وتشمل الأعمال الحراسة والتنظيف والتحميل وأعمال الصيانة والحفريات، وغيرها.
منذ البداية وجد شباب وشابات المخيم طريقهم إلى العمل في المزارع المحيطة، وهم يغادرون بطريقة غير رسمية لكنها غير مخفية، غير أنه سمح فيما بعد بنظام "إجازة" خروج شرعية لمدة أسبوعين، يمكن تجديدها.
خدمات النقل
إن حيازة سيارة أو وسيلة نقل آلية غير مسموح بها لسكان المخيم، ولهذا يجري تنظيم دور بين أصحاب حوالي 300 سيارة بكب تعود ملكيتها لأردنيين من القرى المحيطة، بحيث تعمل ثلث هذه السيارت لشهر، ثم يأتي دور الثلث الثاني فالثالث. وتتمكن هذه السيارات من الدخول إلى المخيم منذ الصباح وحتى الثالثة مساء.
لكن السكان أسسوا لنشاط نقل ضخم قائم على عالم الدراجات الهوائية التي تعتبر وسيلة النقل الأساسية، وقد صنع منها السوريون في المخيم العديد من الأشكال وطوروا كراسيها وصناديقها الخلفية، وأقيمت لها عشرات الورش المتخصصة بصيانتها وتحسينها وبيع أجزائها، وهي تننشر في كل المواقع في المخيم.
كما تمكن سكان المخيم من الاستفادة من خبرات سابقة في عربات الجر باستخدام "الحمير"، وهذه تقوم بعمليات النقل والتحميل والبيع المتجول.
خدمات التعليم
وفق شهادات شخصية، فقد كانت المبادرات للتعليم في البداية من قبل الأهالي، فقد اجتمع عدد من المعلمين الذين تعرفوا على بعضهم في المخيم، وقدموا اقتراحا وحثوا الأهالي على إرسال أبنائهم، واعتمدوا أولا المناهج السورية، ولما تبين أن الإقامة تطول، قاموا بالتنسيق مع الجهات الرسمية الأردنية، ثم جرى تنظيم عملية التعليم بشكل رسمي مؤسسي وأقيمت المدارس وفق التعليمات والأنظمة الرسمية، حيث يقوم كادر أردني، ويعمل مدرسون سوريون من ابناء المخيم كمساعدين من حيث المسمى الوظيفي، غير أنهم فعليا يمارسون التدريس.
في الجزء الثاني من هذا التقرير، سنتناول الجوانب المتعلقة بإدارة اقتصاديات الأسرة ومسائل التموين ومبادرات تطوير شؤون الحياة اليومية، بما في ذلك تنظيم جماليات السكن والشوارع، ودور الخصائص والصفات الأصيلة، من حيث النظافة والتدبير وحب الحياة والعناية بها، رغم أن السكان بمن فيهم المتشائمون، يعتقدون أن حياتهم في المخيم مؤقتة.

التعليق