علماؤنا والتأجيج الطائفي2

تم نشره في الجمعة 16 آذار / مارس 2018. 01:10 صباحاً

د.محمد الشريفين

ذكر الإمام الذهبي (ت748هــ)، في كتابه تاريخ الإسلام:" أنه كَانَ يَجْتَمِعُ بِالْبَصْرَةِ عَشَرَةٌ فِي مَجْلِسٍ لا يُعْرَفُ مِثْلُهُمْ فِي تَضَادِّ أَدْيَانِهِمْ وَنِحَلِهِمْ وهم: الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ سُنِّيٌّ، وَالسَّيِّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِمْيَرِيُّ رَافِضِيٌّ-أي شيعي- ، وَصَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوسِ ثَنَوِيٌّ-ديانة يقول أصحابها بإلهين إله الخير وإله الشر- ، وَسُفْيَانُ بْنُ مُجَاشِعٍ صُفْرِيٌّ-فرقة من فِرق الخوارج- ، وَبَشَّارُ بْنُ بُرْدٍ خَلِيعٌ مَاجِنٌ ، وَحَمَّادٌ زِنْدِيقٌ ، وَابْنُ رَأْسِ الْجَالُوتِ يَهُودِيٌّ ، وَابْنُ نَطِيرَا مُتَكَلِّمُ النَّصَارَى ، وَعَمْرُو بْنُ أُخْتِ الْمُؤَيِّدِ الْمَجُوسِيِّ ، وَرَوْحُ بْنُ سِنَانٍ الْحَرَّانِيُّ صَابِئِيٌّ-ديانة ابراهيمية موحدة- ، فَيَتَنَاشَدَ الْجَمَاعَةُ أَشْعَارًا".
سأتحدث في هذا المقال في محطات مكملة لمقالي السابق والمعنون بـ"علماؤنا والتأجيج الطائفي"، والهدف من هذا المقال التأكيد على ضرورة أن تكون للعلماء سُهمة في العيش المشترك والتعايش بالرغم من وجود الإختلافات بشتى أنواعها، والمحطات التي سأتحدث فيها:
المحطة الأولى: المقصود من علماؤنا هم: علماء جميع المذاهب والطوائف؛ إذ من الخطأ الفادح أن يوجه اللوم لعلماء طائفة دون أخرى، حيث وقع معظم علماء الطوائف في مستنقع التأجيج الطائفي، ووصل بأتباع الطوائف -من العلماء-أن يجعل الواحد منهم طائفته هي الناجية، وأنها الأحرى والأولى بتمثيل الله، وهذا موروث عرفي وقع فيه من سبقنا، وقد ذمه القرآن الكريم حيث قال تعالى:( وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ  بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ). وقال تعالى -ردا على هذا الفكر المنحرف-:( لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ). هذا الفكر الشوفيني الأنوي كان مؤداه شيطنة الآخر والدعوة إلى تصفيته.
وإني  أرى أن كل فرقة من فرق المسلمين أو مذهب من مذاهبهم حتى الإتجاهات ضمن المذهب الواحد باتت تجتهد في إثبات أنها الأفضل والأجدر بتمثيل هذا الدين، وكل واحد منهم يرى أن هذا الكون برمته إنما اختصه الله عز وجل به، وزاده أن جعله حاكما على غيره دينا وفكرا. إنها العصبية التي طمست البصائر؛ حتى جعلت الواحد منا أو المذهب او الطائفة يختال على خلق الله تعالى، ويتعالى على بني جنسه، لقد وصل الكثير إلى الإعتقاد أن العادات والتقاليد، وما جاء في مذهبه وما قررت طائفته، هي القوانين الطبيعية التي يــُسيّر الله تعالى الكون وفقها!
ولا نملك هنا إلا أن نشعر بخيبة الأمل عندما نفكر في حال المسلمين وتشرذمهم، ويحدونا الأمل بالوحدة، ويمنعنا ويحجب الرجاء عنا إصرار كثير من علمائنا اختزال ديننا العظيم بمجموعة ضيقة من القيم التي تدعو للفرقة والتشرذم والكراهية والكسل، وعدم التفكر، والتسليم المطلق باجتهادات قديمة لبعض علمائنا الأجلاء، منها ما كان مناسباً لزمن غير هذا الزمان، ومنها ما كان اجتهادا في غير محلة. أعتقد أن هؤلاء العلماء يتحملون قسطاً كبيراً من مسؤولية محدودية الإنتاج المعرفي والابتكاري، وضياع الطاقات الذي يعيشه عالمنا العربي على وجه الخصوص، وأزمة الهوية التي يعاني منها شبابنا في عالم التواصل الإلكتروني الحديث، وما يشعرون به ازاء ذلك من ضياع وعدم قدرة على الإقناع والاقتناع، سيما فيما يطرح على صفحات التواصل الإجتماعي من قضايا تتعلق بالكون والحياة وفلسفة الوجود.
المحطة الثانية: التغول، والتغول مأخوذ من الغول وهو كائن خرافي، وقد كانت الأمهات قبل عصر التكنولوجيا يُرهبن أبناءهن بالغولة كلاما، وذلك في خطوة منهن لإجبار الأبناء للذهاب للنوم مبكرين، أو للكف عن سلوك أو فعله، وهي طريقة مجافية للشرع وللعقل وللمنطق في إلزام الآخر.
عندما كبرنا وجدنا أن هذا الإرهاب يمارس عمليا، وأقصد بالتغول الذي هو لون من ألوان الإرهاب الفكري: أنه وأثناء الحوار يلجأ عديمو الحجة وصغار الأحلام إلى إلزام الآخر بطريقة تجانب الشرع والعقل والمنطق، والأمثلة على ذلك كثيرة لا يمكن إحصاؤها، وذلك لانتمائها إلى الطرق الملتوية، ومعلوم أن الطرق غير المشروعة كثيرة مقابل الصراط السوي الذي عنوانه: صفاء السريرة ونشد الحق.
 مثال ذلك عندما يقول قائل: أرى أنه لا يثبت حديث صحيح في قتل المرتد غير المحارب، يأتي الآخر وبعد عجزه عن مجارات الأول ليسلك طريق التغول، فتراه يقول مدعيا على أخيه: إنك تنكر سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتراه يشيع ذلك بين الناس بالرغم من أنك توضح له قائلاً: أن ثم فرقا بين الدعوى بعدم ثبوت حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الميدان، وبين إنكار سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أنه يمضي في إشاعته لا حبا في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل سعيا في إسقاط الآخر والتشويش عليه.
مثال آخر: يأتي أحدهم لمحاضرة عالم فاضل نقي السريرة، فيجتزئ هذا المتغول من حديثه، ثم يبث هذا المقطع بين الناس ويعنون له بقوله: انظروا ماذا يقول هذا الزنديق، هذا... يصفه بأقبح الأوصاف، وينضاف إلى ذلك انه يقدم نفسه بصورة الحريص على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والناصر لدين الله، ومعلوم هنا وجه التغول حيث إن كثيراً من الناس يكتفي بالعنوان ويشيع ذلك.
هذا غيض من فيض، وأنا هنا أخاطب الذين يسلكون هذا المسلك: أن يكفوا لا بل وأن ينتهوا عن ذلك لأن ذلك من خوارم الدين، وليعلم هؤلاء أنه لن ينفعهم المنهج الذي ينطلقون منه ولا الراية التي ينضون تحتها، قال الله تعالى:(فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره* ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره).
المحطة الثالثة: التقارب والحوار.
وفي هذا المقام يبرز سؤال: هل تعنى الدعوة إلى التقارب والحوار أن نعتقد أن الاخر على حق أو أن نؤمن بما يؤمن به؟ الجواب: لا يعني بحال من الأحوال ذلك، وأرى أن مفهوم الولاء والبراء من المفاهيم التي تم التلاعب بها وبمعايرتها لخدمة المذهبية والطائفية، والمتتبع المتمعن، منعم النظر في كتاب الله وفي سلوك المصطفى صلى الله عليه وسلم يدرك الفرق بين الولاء والبراء وبين التعايش مع الآخر والإحسان إليه بل ورجاء الخير له.
وهنا أشير إلى الخلط الكبير الحاصل بسبب عرقنة أو قطرنة أو مذهبة الدين، حيث يعمم البعض تجربة عاشها هو أو عاشها مذهبه او قطره أو طائفته أو عرقه؛ ليُــنتج من هذه المحنة التي عاشها أحكاما يعممها على الجميع ويلزم البشرية بقبولها.
ونحن هنا وبالرغم من تعاطفننا ووقوفنا مع المظلومين وأصحاب المحن في العالم، إلا أن هذه المحن ما كانت ولن تكون مصدرا من مصادر للأحكام الشرعية.
 وهنا أحذر مما يسمى بالفتاوى السياسية حيث تجنح بعض الأحزاب او المذاهب او الطوائف لإلزام اتباعها بآراء سياسية مغطاة بالحكم الشرعي.
وخطورة مثل هذه الأفعال لا تخفى على ذي لب، حيث تسهم في إلباس الدين على الناس، وهذا من قبيل إلباس الحق بالباطل، وحري بأهل  السياسة أن يمارسوا السياسة على أصولها وقوانينها دون إقحام الدين في ذلك. وخلاصة القول هنا: أن المقصود من الحوار والتقارب يتمثل بالأسئلة التالية: كيف يمكننا أن نعيش ونتعايش في مكان واحد بالرغم من خلافاتنا؟ هل يمكننا إيجاد وسائل اخرى للتفاهم غير طرق الصراع؟ هل علي كمسلم أن أقوم بتصفية المخالف ظلما وعتوا، منطلقا من نصوص عقيمة ليس لها من شرعية إلا أنها سطرت في أحد كتب التراث؟ وهل كان هدي القرآن الكريم يدعو لتصفية الآخر المخالف؟.
في نهاية حديثي لا بد من الإشارة إلى دور العلماء المحوري والأساسي في عملية الإصلاح بين الناس، والتقريب بين وجهات النظر المختلفة، وإتاحة الحرية الكافية للآخر المخالف للتعبير عن رأيه، وترك أمر الحكم على الناس لله تعالى، قال جل شأنه "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ"، أسأل الله تعالى أن يجعل غاية سعينا إليه وأن يهدينا سواء السبيل.

التعليق