بين الدين والدولة.. مرة أخرى

تم نشره في الجمعة 16 آذار / مارس 2018. 12:00 صباحاً

م. غيث هاني

أثار المقال الذي كتبتُه قبل أسابيع  بعنوان "هل الحكم لله أم للناس؟" العديد من ردود الفعل والتعليقات التي وصلني بعضها مكتوبا، وقد كان بعضهم مستفهما أو ناصحا أو مستوضحا للفكرة، وبعضهم كان من الذين  يقرأون قراءة تربُصية للنصوص، لمحاولة إيجاد خلل ما في الفكرة والمنهج، ولكنهُ إثراءٌ مهم للنقاش والحوار الذي نستطيع من خلاله محاولة الوصول الى الحقيقة،وقد رأيتُ أن أؤكد في هذا المقال على بعض المعاني والأفكار الأساسية والتي قد تزيل الالتباس المتعلق بطبيعة العلاقة بين الديني والسياسي، ومن الواضح تماما كما يقال  "أنه اذا فُهم اللفظُ على غير ما يقتضيه السياق حُمّلت النصوص ما لا تحتمل من المعاني"، وبالتالي يتم ترتيب نتائج خاطئة بناء على ذلك الفهم غير الصحيح، وهو تماما ما يحصل في فهم النصوص الشرعية وغيرها من النصوص وتحديدا النصوص المتعلقة بالدولة المدنية والفصل بين الديني والسياسي، حيث يتم إسقاط المفهوم الغربي والتجربة الأوروبية على ما نستخدمه من مصطلحات فيحصل حينها الخلط والتشكك.
هل نحن مع الدعوة الى علمانية الدولة كما فهم البعض، بمعنى فصل الدين عن الدولة فصلا كاملا وإخراج السلطة الدينية والتأثير الديني كلية من شؤون حياتنا وجعل المرجعيات في المجتمع مرجعيات نسبية مُطلقة تعود فقط لرأي الانسان ووجهة نظره كما هو الحال في الدول الغربية وبالتالي الفصل التام  للدين عن الدولة وحياة الناس وسلوكهم، كما في التجربة الفرنسية مثلا والتي جاءت كرد فعل على تسلُط وتحالف الكنيسة والدولة حينها على مُقدرات الشعب وعقولهم في العصور المظلمة ؟ وهل نحن مع فكرة السلطة الدينية في الدولة بحيث نجعل طبيعة السلطة السياسية الحاكمة سلطة دينية تستمد شرعيتها وقداسة فعلها السياسي من النصوص الدينية ؟ أم أنه شيء بين هذه وتلك؟
العلاقة بين الدين والدولة ليست فصلا مُطلقا وليست وصلا وتماهياً مٌطلقا بطبيعة الحال، بل هي علاقة "تمييز" كما يسميها العديد من المفكرين، فالإسلام يرفض أن تكون طبيعة السلطة السياسية الحاكمة "دينية "، ويُنكر وحدة السلطتين الدينية والسياسية بل ويدعو الى "هدم" هذه الوحدة والإتيان على قواعدها من الأساس بحسب مصطلحات الامام محمد عبدة، ولكنه لا يفصل بينهما فصلا نكدا بطبيعة الحال، فلا يمكن استبعاد الدين كمرجعية للدولة التي تجعلُ في دستورها مادة تقول بأن "دين الدولة الإسلام"، وفي نفس الوقت فان محاولة صبغ السياسة والحُكم السياسي بالصبغة الدينية هي محاولة غريبة عن روح الإسلام!
يخشى أيضا  نفر من الباحثين الإسلاميين أن يؤدي القول بأن للإرادة الإنسانية دورا في صناعة الأنظمة الاقتصادية والسياسية وغيرها، أن يؤدي ذلك الى جعل النظام السياسي نظاما وضعيا بشريا! ويزعمون أيضا أن الإسلام قد حدد نصوصا قرآنية أو أحاديث نبوية حددت السياسة وأحكامها، لكن هذا الامر غير صحيح بهذه الطريقة، فالإسلام جاء بقواعد أساسية ومبادئ عامة تتعلق بالعدل ورفض الاستبداد وضمان الحريات الفردية والجماعية ومبادئ الشورى واحترام كرامة الانسان وغيرها من القواعد التي يتفق عليها جميع البشر، ولم يأت بنظام سياسي كامل واضح المعالم ومُحدد بالتفصيل، كشكل إدارة الدولة مثلا سواء أكان بالخلافة أم بالرئاسة أم بغيرها، والتي إن طُبقت هذه المبادئ في المجتمع نكون قد حققنا  حينها المبدأ الدستوري السياسي الذي يقول بأن "الامة هي مصدر السلطات"، حيث لا تعارض  بينه وبين تراث الإسلام السياسي، فالمجتمع الذي تسوده قيم الحرية واحترام الانسان وإن لم تُطبق فيه "الحدود" هو أقرب الى الله والى الشرع من المجتمع الذي يصف نفسه بأنه "إسلامي" ويمتهن كرامة الانسان.
من المؤسف أن البعض ممن يناقشون "مدنية" الدولة في الإسلام ويرفضونها ويطالبون بأن الدولة يجب ان تكون "إسلامية"، لا يشتكون من شيء سوى من كيفية تطبيق الحدود الإسلامية! كحد الزنا والسرقة وغيرها، وكأن الإسلام لم يأت الا ليُعاقب الناس ويجلدهم ويهددهم بالعقاب! ولا أدري لماذا يعتبرون ذلك ركيزة أساسية في فهم "الدولة"، ولماذا يتم اختزال رسالة الإسلام العظيمة فقط في بند "الحدود" وما جدوى وحكمة التركيز على الحدود أو العقوبات في نقاشاتهم، واعتبار ذلك "ركيزة أساسية من ركائز المجتمع" مع التأكيد على أن الحدود أمر لا مساومة فيه شريطة توفر العناصر الموضوعية للتطبيق"، فعندما يكون عدد آيات القرآن الكريم 6236 اية، ويكون من بينها 30 آية تتحدث فقط عن الحدود، فلا أستطيع أن أفسر كيف يتجاهل هؤلاء ذلك العدد الكبير من الآيات التي تتحدث عن العدل والحرية والمساواة، ولا يشاهدون أو يقرأون  إلا الآيات التي تتحدث عن السٌراق والزناة وقُطاع الطرق وشاربي الخمر!
الدولة في الإسلام دولة "مدنية" بامتياز، والمواطنة فيها هي أساس الانتماء، وليست دولة "دينية" أيضا بالمعنى المفهوم في الفكر الغربي سابقا، فهنالك في الفهم الإسلامي نزع لكل عصمة أو قداسة لفعل الحاكم، وهنالك نزع للقداسة لكل الوسائل التي تستخدمها الدولة لادارة شؤون الناس، وهي دولة "دنيوية "واجبها الرئيس خدمة مصالح الناس، والانطلاق حينها من المرجعية الاسلامية للدولة لا ينافي إطلاقا مفهوم الدولة المدنية أو مفاهيم الحداثة، بل يجب أن يكون سبيلا للاعتزاز بهُويتنا ومكانتنا الحضارية والتاريخية.

التعليق