درس من مخيم الزعتري (2 من 2)

اقتصاديات مجتمع محلي في ظروف أزمة

تم نشره في الأحد 18 آذار / مارس 2018. 01:00 صباحاً
  • خضار في مخيم الزعتري - (تصوير: محمد أبو غوش)

قراءات تنموية

أحمد أبو خليل

هذه هي الحلقة الثانية من المتابعة الصحفية لاقتصاديات "مخيم الزعتري" للاجئين السوريين، وقد نشرت "الغد" الأحد الماضي، الحلقة الأولى وكانت خاصة بالحالة "الكلية" لاقتصاد المخيم، بمعنى إدارة الجوانب المتصلة بالمخيم ككل، ولكن في الحلقتين، فإن المادة المنشورة تهدف إلى تفحص الاقتصاديات "الذاتية"، أي انها ليست معنية بالتدخلات الخارجية الدولية أو المحلية.
هذه الحلقة؛ تلقي ضوءا على جوانب جزئية، أي على مستوى الأسر والبيوت والأفراد، ذلك أن ما سميناه في الحلقة الأولى "تماسكا داخليا واستقرارا نسبيا" في حياة المخيم، وجد تعبيراته في تفاصيل صنعها أفراد، رجال ونساء وفتيان وفتيات وأسر وجيران.. في حياتهم اليومية.
وقد نُقل عن مسؤولين دوليين متابعين لحالات اللجوء في العالم، اندهاشهم بحالة اللاجئ السوري، من ناحية نشاطه وتفاعله مع حياته بجدية، ومن ناحية أسلوب الأسرة السورية في إدارة شؤونها.
وفق أحد المتحدثين من سكان المخيم، فإن بعضهم تقدم إلى الإدارة بطلب بدأ غريبا بعض الشيء؛ لقد طالبوا بتوزيع "شجرة لكل كرفان"، وترك الخيار أن تكون الشجرة حرجية أو مثمرة للإدارة.
لم يبت في الأمر لغاية الآن، لكن ما حصل أن كثيرين حصلوا فعلا على أشتال لبعض الأشجار وزرعوها؛ لهذا فإن عددا كبيرا من بيوت المخيم (الكرافانات) اليوم أحيط بشجيرات زينة وورود وبعض المزروعات الخفيفة.
غالبية سكان المخيم من أصول ريفية، ولعل أكثر المشاكل التي واجهتهم تتصل بتغير البيئة وطبيعة الأرض، مقارنة بأوضاعهم في بلدهم.
كانت إحدى الشابات تقول مازحة: إن في قريتها الأصلية الكثير من التراب لكنه تراب ثابت في مكانه غير متطاير، وليس كتراب المخيم، وهي بذلك تشير إلى الغبار سريع التطاير في منطقة المخيم الذي يعد مشكلة كبرى.
لكن المخيم بالإجمال نظيف، خاصة إذا نظرنا إلى البيوت ذاتها، وإلى محيطها. فأنت مثلا لا تلاحظ أبداً مسارب للمياه المستهلكة خارج البيوت، وهي صفة ملاصقة عادة للمخيمات، ولا روائح مزعجة، باستثناء ما يمكن ان تشمه من رائحة طبيخ طازج، في الأماكن التي تشهد اكتظاظا سكانيا، مثل حارات مدخل المخيم، التي استهدفها كثيرون في البداية لقربها من الإدارة ومراكز توزيع الماء والمؤونة في الأشهر الأولى.
 أما في الحارات الأخرى في المخيم، فهناك متسع في المساحة يتيح تباعد البيوت.
يعتبر سكان المخيم عموما من أفقر اللاجئين، لأن اللاجئ المقتدر بحث عن طريق للإقامة خارج المخيم، ولهذا فإن الإدارة الذاتية لاقتصاديات الأسرة أمر مهم للبقاء.
لعل موضوع "المونة" من المسائل المعروفة عند الأسرة السورية (المقصود بالمونة تخزين الغذاء). إن قسوة الظروف وتدني الامكانيات لم تحل دون الحرص على الحد الأدنى من المونة، وهو ما يلاحظ بشكل واضح وخاصة في المواسم، وقد صادف إعداد هذا التقرير مع موسم الباذنجان الخاص بعمل "المقدوس"، ولهذا لاحظنا توفره بكثافة في أماكن بيع وعلى عربات متجولة.
وما لفت أنه نظرا لعدم تمكن الجميع من حيازة الأدوات الضرورية، فقد تخصص في أحد الأحياء شخص بتأجير طناجر كبيرة لمدة يوم أو يومين، يتمكن مستأجر الطنجرة من استخدامها في سلق الباذنجان، مقابل أجرة محدودة.
إن حصة الأسرة في الأصل كرفان واحد، وهو يعد ملكية لصاحبه، يمكنه التصرف به، ولهذا تشكل مع الوقت ما يشبه السوق للكرفانات، وأقيمت ورش للصيانة وإعادة التشكيل والتصميم، ونظرا لكثافة الحركة خروجا ودخولا في المخيم، فإن الأسر الكبيرة صارت تعيش في أكثر من كرفان، بعد أن يعاد ترتيبها وتصميمها لتصبح بيتا صغيرا مع حوش داخلي.
لقد استثمرت سيدة سبعينية خبرتها في صيانة أرضية البيوت الريفية، وتمكنت من عمل "صبّة اسمنتية" قامت بصقل سطحها، وعمل مناسيب متنوعة، ومصدات تحمي من تدفق المياه، وهو ما كان حصل فعلا في فصل شتاء سابق.
رغم الكثافة النسبية، لكن السكان حققوا مع الزمن القدر المطلوب من الخصوصية في بيوتهم وفق شروطهم الاجتماعية، وقد استثمروا ما هو متوفر إلى أقصى حد، فأنت تجد الأسوار بما فيها الحجرية متقنة البناء، وتجد الحواجز المعدنية، ولكن مع الحرص على أن لا تبقى صماء، فقد بادر السكان إلى طلائها وتزيينها.
لكن محاولة تحسين ظروف الحياة تجلت في مبادرة لطلاء الجدران الخارجية بلوحات من ابداع فنانين وخطاطين تعرفوا على بعضهم البعض، وصمموا بإشراف إحدى الهيئات الدولية نمطاً للوحات جدارية تتوزع موضوعاتها بين الطبيعة والزخرفة والتراث والتاريخ، وقد شمل ذلك العديد من الشوارع الرئيسية والحارات.
إن تفاصيل إدارة الحياة اليومية كثيرة وفيها الكثير من الابداعات، ويستطيع القارئ المهتم أن يجد العديد من المواد المكتوبة والفيديوهات التي تابعت حالة المخيم، ولكن للأسف فإن حجم المتابعات كان مسيسا بحيث ارتبط بمدى حضور قضية اللجوء، ولهذا فإن أغلب المواد يعود إلى الفترة الأولى من عمر المخيم.
فيما تبقى من مساحة هذا التقرير نلقي ضوءا على تجربة في الإعلام الداخلي، تمثلها مجلة شهرية داخلية تدار من قبل شباب وشابات المخيم، بدعم من منظمة يابانية عاملة في المخيم.
مجلة "الطريق" إعلام محلي في المخيم يتجنب السياسة
قريبا من وسط السوق التجاري في المخيم، أقيم مربع محاط بشيك خفيف، ويقع داخله مكتب مجلة "الطريق"، إلى جانب مكتب لهيئة خدمية أخرى.
المكتب مكون من حجرتين تكونان معا "كرفانا" مسبق الصنع، يشبه تماما باقي كرفانات السكان، وفي إحدى الزوايا في الداخل نُصبت طاولة بلاستكية صغيرة مكسورة الحواف، لتشكل مكتب التحرير، وعدد من الكراسي البلاستيكية أيضا، وهي قابلة للترتيب فوق بما يختصر الحيز المستخدم، وهذه معا تشكل كل أثاث مكتب المجلة.
التقيت في الداخل حوالي عشرة شباب وفتيات من أبناء المخيم، وحضر جانب من اللقاء مدير التحرير (الصحفي الأردني معتصم أبو جابر) غير أن الحوار الرئيسي كان مع المتطوعين من أبناء المخيم، يشكلون هيئة التحرير للمجلة، ويحضر معظم الذكور منهم إلى مقر على دراجات هوائية لا غنى عنها للتنقل.
المجلة (التي تشرف عليها الصحفية الأردنية هدا السرحان)، لها بدرجة أساسية مهمة تدريبية وتعليمية في مجال مهارات الصحافة والإعلام، وهي مفتوحة للمتطوعين وتضم فعليا من سن الخامسة عشرة وحتى الثلاثين تقريبا.
وهي مجلة "محلية" بالمعنى الكامل للكلمة، ذات محتوى اجتماعي، وتهتم بالصحة والتعليم والمبادرات والعمل وتجارب السكان وتنشر رسائل القراء وبعض النصوص الابداعية (شعر وقصة).
وتخضع المجلة للرقابة الرسمية قبل الطباعة، ويشترط عليها أن لا تتناول الشؤون السياسية أو الخلافية، وتوزع بالمجان، يدويا من قبل فريق العمل، وتوضع في بعض المراكز.
مر بتجربة التدريب والتعليم في المجلة أكثر من 120 شخصا لغاية لحظة إجراء هذه المتابعة، بعضهم ينقطع أحيانا بسبب ظروفه ثم يعود، فعندما يحصل أحدهم على فرصة للعمل داخل أو خارج المخيم (في المزارع المحيطة) ينقطع، لكن المجلة تبقى متاحة، فالعلاقة مع المجلة مفتوحة.
وقد حصل الجميع على تدريب مناسب، وتناقش مواد الأعداد جماعيا، وبعضها ينشر باسم فريق العمل، وهناك مصور ورسام كاريكاتير.
تخضع المجلة لرقابة مسبقة من قبل الأجهزة الأمنية الأردنية، ويعرف القائمون عليها أن عليهم أن لا يقتربوا من القضايا السياسية ومن القضايا التي يمكن أن تكون خلافية يحتمل أن تؤثر على استقرار الحياة اليومية للمخيم.
لغايات إعداد هذا التقرير القصير، تصفحنا حوالي 15 عددا من المجلة، وهو ما أتاح فرصة الحصول على صورة معقولة عن الحياة داخل المخيم، وتتناول موادها تفاصيل اجتماعية وثقافية خاصة، تراعي موقف السكان، فالقارئ مثلا يجد نصائح طبية غير مُكلفة، وقائية أو علاجية، وهناك زاوية للمطبخ تقدم بلغة مناسبة، بل نشرت المجلة نصائح ومواضيع جمالية للسيدات يمكن الاستفادة منها ومن دون تكلفة مادية ملحوظة، وطرحت مشاكل النظافة والتعليم وعمل الفتيات وقيمته الأسرية، بل يجد القارئ مواد تعالج مشاكل مثل انتشار الذباب والبراغيث ومشكلة أثر أشعة الشمس والحرارة على البشرة.
غير أن القائمين على المجلة يشعرون بالفخر وهم يكررون أن المجلة تمكنت من تعريف بعض اللاجئين على أقارب لهم يقيمون في المخيم كانوا قد انقطعوا عن بعضهم منذ مغادرة سورية والواقع أن المجلة صارت معروفة جيداً في المخيم.
لعل أبرز ملاحظة ذات صلة بالمستوى المهني تتصل بالصور التي تنشرها المجلة بمهنية، وخاصة لجهة مراعاة المحتوى والوجوه، وهناك العديد من الصور التي التقطت بعناية بحيث تحافظ على خصوصية الشخصيات ومن دون الإخلال بجماليات الصورة.
من بين الحضور في اللقاء فتاة جاءت بلباس المدرسة وهي في الصف العاشر، قالت زميلاتها أنها عند الاستعداد لإصدار المجلة قبل أكثر من 3 سنوات كانت تلعب في الساحة، ثم التحقت بالعمل وظهر اسمها على بعض مواد المجلة، بينما زميلتها الأكبر منها (في التوجيهي) استطاعت بجهدها الذاتي الحصول على مقابلة مع الأمين العام للامم المتحدة عند زيارته للمخيم، ونشرت صورتها معه على غلاف أحد الأعداد.
مع مرور الوقت برز قدر من التخصص في أعضاء الفريق، فمن الشباب من استهوته التحقيقات الميدانية، ولعل أكثر المواضع التي أثارت بعض الأسئلة في المخيم، تحقيق التفت إلى أن الفتيات في المخيم ورغم أن المجتمع يتيح لهن ركوب الدراجة بقيادة الأخ أو الأب أو الزوج، إلا أن الفتاة نفسها لا تستطيع قيادة الدراجة منفردة، وبالطبع يعد هذا الموضوع هاماً لأن الدراجة الهوائية هي أبرز وسائل التنقل والنقل داخل المخيم حيث لا توجد السيارات عند الأهالي. المجلة كما يبدو حفزت بعض الشباب والفتيات على التفكير في الاستمرار في العمل الإعلامي، لكنها من المرات النادرة التي يجتمع بها شباب من الجنسين في عمل تطوعي واحد، وقد رافقت شاباً وفتاة في جولة طويلة في شوارع المخيم، كان واضحا أنهما على دراية بالمكان الذي يغطونه في مجلتهم.

التعليق