سائد كراجة

الكيلاني فارس الحريات العامة

تم نشره في الأربعاء 21 آذار / مارس 2018. 12:02 صباحاً

" لم يعد ممكناً لأي تفكير سياسي في القرن الواحد والعشرين أن يسقط من حسابه "الحريات العامة" هذه الحريات التي أصبحت (هدفاً قومياً) لكافة الشعوب وجزءا من ضميرها، وهي بالنسبة للشعوب العربية قضيتها الأولى". هكذا قدم الأستاذ المحامي فاروق الكيلاني؛ القاضي ورئيس المجلس القضائي الأعلى السابق لكتابه الذي صدر هذا الشهر بعنوان "الحريات العامة" والذي "يهدف لدراسة الحريات العامة وتسليط الضوء على حركتها في المجتمع بكافة صورها التي تشمل حرية الرأي، وحرية النقد، وحرية الصحافة، وحرية الحصول على المعلومات، وحرية البحث العلمي، وحرية الدفاع، وحرية التعليم، وحرية الانتخاب، وحرية الاجتماع وحرية التنقل وحرية العقيدة".
في مجال حرية الرأي والتعبير خلص الكيلاني إلى أن الدستور هو ضمانة حرية الرأي والتعبير والنص على هذه الحرية في الدستور يعني أن هذه الحرية نافذة بذاتها وإن لم يصدر بخصوص تنظيمها قانون، فالقانون ينظم حرية الرأي والتعبير وكذلك الحريات الأخرى ولكن لا يجوز للقانون بحجة تنظيم تلك الحريات أن يصادرها أو أن يعطلها أو يهدر جوهرها وهذا مبدأ يغيب وللأسف عن ذهن المشرع وأحياناً عن ذهن المنفذ.
كما لا يجوز للسلطة التنفيذية تقييد أي من تلك الحريات بأنظمة صادرة عنها، ذلك أنه لا يجوز للسلطة التنفيذية ان تشرع وخاصة في مجال الحريات. لم يتوان الكاتب عن انتقاد التشريعات والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية حيث لم تنتصر لحرية الرأي والتعبير وعرض بالتفصيل لحالات الاعتداء على حرية الرأي والتعبير، ومثال ذلك المادة (35) من قانون المطبوعات والنشر التي اشترطت موافقة مدير المطبوعات والنشر لطباعة الكتب وهو الأمر الذي اعتبره قيداً على حرية الرأي والتعبير.
في مجال حرية النقد يقول الكاتب "إن النقد السياسي ينبغي أن يشكل المنظومة السياسية العامة للمدرسة الوطنية الأردنية كلها"، ويطال حق النقد عنده الوقائع التاريخية والأعمال السياسية والقوانين والأنظمة والأعمال الأدبية والعلمية والأحكام القضائية القطعية والعادات والتقاليد، وقد بين الكاتب أن قانون العقوبات الأردني قد أباح استخدام العبارات الجارحة والقاسية في توجيه النقد للمسؤلين السياسيين وأخرج هذه العبارات من نطاق التجريم بالقدح والتحقير، بشرط أن يكون النقد في حدود العمل العام للمسؤول وان يكون للمصلحة العامة ويصدر عن حسن نية حيث يكون على النيابة العامة إثبات سوء النية، والحقيقة ان هذا ينسجم مع روح الدستور الأردني الذي كرس حقوق وحريات الأردنيين، وافترض انهم مسؤولين وقادرون في أغلب الحالات على تقدير المسؤولية الوطنية والمصلحة العامة.
يناقش الكتاب باستفاضة حرية الصحافة في المواثيق والدساتير الدولية، وهو يقرر أن الحكومات الأردنية المتعاقبة لم تكن صديقة لهذه الحرية، وبعد أن استعرض عناصر حرية الصحافة وفضل حمايتها، من جانب وأشكال الاعتداء على تلك الحرية قانوناً وعملاً من جانب آخر، يقرر أنه "لا حرية للصحافة الصفراء" والصحافة الصفراء عنده هي "الصحافة التي ليس لها رسالة أو هدف اجتماعي وتستخدم أداة للتشهير والفساد وتحقيق المكاسب الرخيصة"، فالصحافة يجب أن تكون مهنية، تهدف إلى تحقيق المصلحة العامة فلا تنشر ما يزعزع الوحدة الوطنية أو يروج للإشاعة أو ما يشكل اغتيالاً للشخصية، وفِي هذا المجال عرض الكاتب جريمة إثارة النعرات المذهبية والعنصرية التي نصت عليها المادة (150) من قانون العقوبات، حيث وضح الكاتب الأفعال المادية التي تمثل هذه الجريمة ومنها إنكار نبوة أحد الأنبياء أو المساس بمنزلتهم في نظر أهل ديانتهم او المساس بكتابهم السماوي.
الاستاذ فاروق الكيلاني الذي عرف بمناصرته للحريات العامة الدستورية قدم ما يقارب الثلاثين مؤلفاً  لمكتبة الحريات العامة والقانونية، هذا الكتاب يفيض عن أن يُعرض في مقال مثل هذا، وهو يعتبر علامة فارقة في مجاله حيث تجد فيه موسوعة تعكس خبرة المؤلف الذي وضعه بحياد القاضي ودقة الباحث وجرأة المناضل من أجل الحريات العامة، هذا الكتاب يستحق أن يكون مساقاً عاماً في الجامعات الأردنية وكذلك للموظفين في القطاع العام وخاصة الذين يتعاملون منهم مع حريات المواطنين وحقوقهم، وأرجو أن ينال الكتاب من نقابة المحامين الموقرة ولجنة الحريات فيها ما يستحق من نشر ودراسة.

التعليق