حد الردة.. سيف السياسة ودرع الطائفية

تم نشره في الجمعة 23 آذار / مارس 2018. 01:10 صباحاً

د. محمد عيسى الشريفين

تتربع قيمة الحرية على عرش قيم الإسلام الحنيف، فهي أساس التكليف والضامن لاستمراره، وقد منح الحق سبحانه وتعالى الإنسان حرية الاختيار، وقد تضمنت هذه الحرية إختيار الدين، وقد ورد ذلك في عشرات من النصوص القرآنية، وقد جاءت هذه النصوص عامة لا تفرق بين الدخول في الدين أو الخروج منه.
ومن أشهر النصوص القرآنية التي تؤسس لهذه القيمة قوله تعالى:"لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ". وإذا ما أمعنا النظر في هذه الآية الكريمة والتي تعد أصلا في تعزيز قيمة الحرية نجد أنها تتضمن صورتين. أولاهما:أن الدين لا يصح ولا يقبل بالإكراه. وثانيهما:أنه لا يجوز أن يُجبر الفرد على اعتناق وممارسة الدّين؛ إذ إن الدين الرباني الخالص لا يقبل بحال أن يكون الإكراه من أساليبه ووسائله في تحقيق أغراضه ومقاصده، وهذا تأصيل لأسس الحرية ومبادئها ما بعده تأصيل، فالدين الذي هو عنوان هذه الرسالة السماوية ما كان ليقبل إلا بمحض إرادة حرة.
وسأناقش في هذا المقال حد الردة من خلال مضامين النصوص القرآنية، على النحو الآتي:
أولا: قاعدة تأخير الجزاء
إلى يوم القيامة
الأصل في الجزاء المتعلق بحقوق الله عز وجل التأخير إلى يوم القيامة، قال تعالى: "الْيَوْمَ تُجْزَى  كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ  لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ  إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ".والمدقق في هذه الآية الكريمة يجد أن الحق سبحانه وتعالى قد قدم فيها الظرف وهو"اليوم" على الفعل وهو " تُجْزَى " وذلك لإفادة الحصر، وكأنه يقول اليوم لا غير، أي أن الجزاء يوم القيامة وليس قبل ذلك.
هذا وقد اعتبر الإمام الرازي هذه الآية أصلاً عظيما من أصول الفقه، وبناء عليها اشتق هو وغيره منها: أن  الأصل في المضار والآلام التحريم، وأن الْأَصْلَ تَأْخِيرُ الْأَجْزِيَةِ إلَى دَارِ الْآخِرَةِ؛ إذْ تَعْجِيلُهَا يُخِلُّ بِمَعْنَى الِابْتِلَاءِ.
ومعنى هذه القاعدة أن الجزاء على الذنوب التي لا تتعلق بحقوق العباد وتتعلق بحق الله تعالى لا يكون في الدنيا، وإنما يُــؤجل إلى يوم القيامة؛ والسبب في ذلك أن تعجيل العقوبة في الدنيا يُـخل بمعنى الإبتلاء، ويخرم أساس التوبة.
وإذا ما سأل سائل كيف يُـخل تعجيل العقوبة في الأمور المتعلقة بحق الله تعالى بمبدأ الإبتلاء، وكيف يخرم مبدأ التوبة؟
والجواب على ذلك أن الله تعالى قدّر أن يبتلي الإنسان في هذه الحياة الدنيا لإقامة الحجة عليه فيما قدم وأخر ، قال تعالى "يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ"، وقال أيضا في بيان سنة الإبتلاء:" الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا". وهذا الإبتلاء ممتد بحكمة الله تعالى وقدره من فترة بلوغ الإنسان سنَّ الرشد إلى أن يموت عاقلا، ومن الظلم أن يُـحرم هذا الإنسان من كامل حقه بسلبه جزءا من مدة ابتلاءه؛ إذ لعل الضالَّ يهتدي والكافرَ يؤمن، والآيات في هذا الباب كثيرة، والأمثلة على توبة العصاة أكثر من أن تحصى.
أما عن الإخلال بمبدأ التوبة ففي هذا يقول الله عز وجل:" وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ  أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا".نستنتج من هذه الآية بأن باب التوبة مفتوح، والتوبة أمر عام يشمل: الكافر عن كفره، والمرتد عن ردته، والعاصي عن عصيانه، وإنَّ قتل المرتد في حال ردته يُــنقصه حقاً قد منحه الله إياه، ومعلوم أنّ هذا الحق هو حق تكويني مرتبط بصفات الله العليا وأسماءه الحسنى إذ إن الله هو التواب الرحيم. وانتقاص هذا الحق ظلم ما بعده ظلم؛ إذ يُـحكم بلا مسوغ معتبر شرعاً بمصادرة حق المرتد في التوبة، ويُـغلق في وجهه بابا فتحه الله له.
ثانياً: استتابة المرتد
ومن واقع دراستنا لموضوع الردة ثـمَّ خللٌ ليس فقط في أصل الحكم، بل وفي تطبيقه أيضاً، سيما ما يُطلق عليه الإستتابة-حبس المرتد وطلب التوبة منه- التي يتجلى الخلل في تطبيقها من خلال صورٍ ثلاث:
الصورة الأولى: إنتفاء وجود النص الشرعي اليقيني، الذي تستند إليه مثل هذه الأحكام، والتي تتعلق بالنفس الإنسانية وجودا وعدما؛ إذ لا بد من نص قطعي الثبوت قطعي الدلالة.
الصورة الثانية: تعارض هذا الحكم مع النصوص القرآنية الصريحة، من مثل قول الله تعالى:"لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ".ولا يخفى على ذي عقل أن الاستتابة بحد ذاتها إكراه على الدين وإكراه فيه، فبالنظر لما أصله الفقهاء من خطوات الاستتابة، فإن فيها إكراها وإجبارا تحت ضغط العذاب المتمثل بالحبس والضرب بالسياط، والترهيب بسلبه ماله، وطلاق زوجته، وحرمان أولاده منه ومن أمواله، وجعلهم عالة يتكففون الناس.
الصورة الثالثة: إن ما تحدثه الأساليب الإرهابية المتبعة والمبتدعة حال الإستتابة تكره الناس على اعتناق التقية-أي إخفاء الإعتقاد- حفاظا منهم على أنفسهم وأموالهم، ومعلوم أن هذه من الضروريات التي تباح من أجلها المحظورات عند المسلم، وهي عند غيره من باب أولى، وهذا يورث المجتمع نفاقا ومداهنة؛ مما يفقد الناس الثقة بالسلطة، ويفقد السلطة الثقة بالناس، وهذا خطب جلل وآفة اجتماعية تنخر في العلاقات التي يبتني عليها المجتمع الإسلامي؛ إذ إن الحرية الدينية والفكرية هي الأساس الذي تبتني عليه سيادة الأوطان.
ثالثاً: البعد السياسي والطائفي
وعبر التاريخ الإسلامي كانت هذه الأساليب الإرهابية والطرق المبتدعة مطية وأداة لبعض أرباب السياسة وأهل السلطة، يستخدمونها من أجل الحفاظ على سلطتهم، وكانت هذه الأساليب طرق إرهاب للناس وسيفا يُـلوّح به بعض أهل السياسة بوجه كل من يحاول أن يرفع رأسه وأن يقول كلمة حق. كما كانت الردة وأساليب الإستتابة دوما درعا تتستر خلفه الطوائف وتجعلها مسوغا للقتل والتعذيب والإرهاب المادي والفكري، ومن الأمثلة التي تطالعنا بها كتب التاريخ فيما يتعلق لا بتصفية المخالف فكريا فحسب، بل الافتخار به وعده من الأعمال التي أُحييت بها السنة وقمعت بها البدعة، ذلك ما حصل للجعد بن درهم-من علماء الكلام قال بخلق القرآن، توفي 105هــ- على يد خالد القسري-أمير العراق أيام الأمويين، توفي 120هــ- عندما قتله شر قتلة في يوم الأضحى ذبحا كما تذبح الشاة وفي المسجد أمام الناس تحت مقصلة الإرهاب الفكري.
وقد استخدم الخوارج الأولون الردة ستار كعبة يتشبثون بها وهم يمارسون أبشع صور القتل والإرهاب، لا يفرقون بين مسلم صغير أو كبير حتى الرضع لم يسلموا من سيوفهم، وهذا ذاته ما يفعله خوارج هذا العصر، اقتداء بأسلافهم، بل وزادوا عليهم أن امتدت أيديهم إلى غير المسلمين من المسالمين الأبرياء.
وقد كان من نتائج هذا الفكر المنحرف أن دفعت الأمة الإسلامية ثمنا باهظا من دماء أبنائها وثرواتهم، كما تحملت ثمن انتكاسةِ وظيفتها الأساس التي هي الدعوة إلى الله، إذ مُني المسلمون بأن أصبح دينهم منفرا بعد أن كان مبشرا، قال صلى الله عليه وسلم:"بَشِّرُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا وَيَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا".
هذه مقدمة لسلسلة من الحلقات التي أرجو الله أن أستوفي بها هذا البحث؛ حيث سأقوم في الحلقات الآتية بتسليط الضوء على التطبيقات الفقهية لهذا الحد، والروايات الحديثية والتي تؤصل لبدعة حدِّ الردة، والله المستعان.

التعليق