الإرادة تصنع كرامة

تم نشره في الجمعة 23 آذار / مارس 2018. 01:09 صباحاً

د. محمد المجالي

مرت ذكرى الكرامة، ولها من اسمها نصيب، ولعل الله تعالى شاء أن تكون في بلدة الكرامة، لتعطي هذا المعنى الباعث على التفاؤل، في زمن النكسات والنكبات، حيث زُرِع هذا الكيان الصهيوني في قلب الأمة الإسلامية، وهو مصدر القلق والاضطراب والتوتر في المنطقة، وهو الذي لأجله تشن الحروب وتسيل الدماء، وتُقلَب موازين القيم وتكون ازدواجية المواقف، معنا نحن العرب والمسلمين بالذات، حتى يُحمى هذا الكيان، وحتى لا تقوم للمسلمين قائمة.
لعله قرار اتُّخِذ مع عهد الاستعمار، وصحيح أن القوم وضعوا وصايتهم على المنطقة، ولكن الأيام دول، ولا يمكن للباطل أن يبقى مسيطرا، وما بُني على باطل فهو باطل، وما فعله اليهود بالفلسطينيين لا يمكن أن يستقر لأنه ظلم، ولأنهم قوم آذوا حتى الأنبياء، ولا عهد لهم ولا أمان، فقد طبقوا ما حصل لهم من اضطهاد (بسببٍ من أنفسهم) على الفلسطينيين، ولا أدري ما هذه الأخلاق! حين يأتون لبيت –مثلا- ويخرجوا منه أهله، ليتشتت هؤلاء في الأرض، بدل أن يكونوا قد أخذوا درسا وعبرة! لكنهم اليهود، وصدق الله العظيم: "لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا".
من أهم دروس معركة الكرامة درسان، أن النصر ما كان إلا لأننا ملكنا الإرادة، ولأننا توحدت صفوفنا، فملكنا بذلك عقيدة قتالية وتصميما بأن ندحر من بالأمس تفوّق على جيوش بلدان بأكملها، وحاول بناء أسطورة مثالية له بأنه لا يُقهَر، ولكن عاقبة الظلم وخيمة، والأيام دُول يداولها الله كيف يشاء، بشرط وجود من يستحق النصر.
النصر منّة من الله، لا يعطيه الله تعالى إلا لمن شاء، وحين يكون الخلل –ولو صغيرا كما حدث في أُحُد- فلا شك هي الهزيمة، وهذا يخبرنا عن أن الذي حدث في الكرامة كان أمرا عجبا لأجله منّ الله على الجيش الأردني ومن معه من المقاومين نصرا غير متوَقَّع، فلا شك أنهم استحقوا النصر فأكرمهم الله تعالى به، لأنهم ملكوا إيمانا وإرادة، وتعاونوا فيما بينهم، فهو نصر الله تعالى.
ليتنا بقينا في السياق نفسه نعزز قيم الثقة بالنفس وبناء الإرادة، حينها سيعرف العدو أن زواله يقيني، ولكن الأمة انشغلت أو أُشغِلت بما يفرّق جمعها، ويأتي على هويتها، ويشتت أولوياتها، وهنا كانت الفرصة لدى الصهاينة بأن يبنوا ثقة شبه مطلقة بأنفسهم أنهم سادة المنطقة، يعاونهم أقرانهم من محبي الصهيونية، وصدق الله تعالى: "ضُرِبت عليهم الذلة أينما ثُقِفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤوا بغضب من الله"، ولا يمكن أن يكون التأييد لهم من الله، بل هي معادلة النصر والهزيمة، ومن يأخذ بأسبابهما، فحين ينكب المسلمون على أنفسهم، وينشغلون بسفاسف الأمور، ويكون بأسهم بينهم شديدا، لا شك أن الأمر سيكون عليهم، ويبدو وكأن الله مع أعدائهم، فهي سنن الله التي لا تحابي أحدا، وليس الله بأقل غيرة منا على أحوالنا، ولكن لا بد من سلوك درب النصر والأخذ بأسبابه.
ملكنا الإرادة في بدر فكان النصر الأول على المشركين رغم كثرتهم وتفوّق عدّتهم، وحصل الخلل في أُحُد فكانت الهزيمة، ونصر الله المؤمنين في الخندق فقد خرجوا وأخذوا بالأسباب، وكذا كل الغزوات، وفي حنين اغتروا بعددهم فكان الدرس القاسي في البداية، وتداركتهم رحمة الله فيما بعد، وهكذا، وملكنا الإرادة في الفتوحات الموازية لمهمة تحرير الناس من طواغيتهم، وملكناها بعد قرن من احتلال الصليبيين حين أصلح يوسف بن أيوب (صلاح الدين) الحياة، وبنى المساجد والمدارس ووحّد المسلمين، وملكناها حين قاتلنا التتار الذين أفسدوا في الأرض، وكان المسلمون في حالة من الهزيمة النفسية والقناعة بأن التتري لا يُقتَل، وقد قتلوا في بغداد وحدها قرابة المليون إنسان، ومع ذلك تفوق عليهم مماليك بقيادة قطز والظاهر بيبرس، حين توحدت الكلمة وملكنا الإرادة.
وحين ملكنا الإرادة بعد ذلك انتشر الإسلام في أوروبا من جهة المشرق (فقد كانت الأندلس قديما بلدا إسلاميا ضاع بسبب اللهو وتشتت الولاء وفقدان الإرادة)، وهكذا، وحصل ما حصل لأمتنا في العصر الحديث من تقسيم واحتلال، واكبه نزع الوازع الديني والقيمي، وشلل الإرادة ومجرد التفكير بالعزة والنهضة، وهو زمننا هذا العسير.
شاء الله أن يكون نصر الكرامة حتى لا نفقد الأمل، وأن النصر بيد الله يؤتيه من يشاء، وأنه: "كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله"، فهو قريب لأمتنا لو أرادت، والله طلب منا أن نُعِد ما استطعنا من قوة ليس إلا.
هذه الإرادة لا بد لها من ثقة بالنفس، والثقة بالنفس لا بد لها من قيم ويقين وإيمان تعزز كلها أن عدوي بشر مثلي، وإن تفوّق فبعدد وعدّة، وأنا آخذ بالأسباب، وبعد ذلك فالنتائج على الله تعالى، وصدق الله: "ولينصرن الله من ينصره"، فحين ننصر منهج الله، ونتخلى عن حظوظ نفوسنا، فنتجرد لله تعالى، ويكون قتالنا من أجل رفع كلمة الله، حينها نستعيد مجدنا وندرك أن عدونا ليس أسطوريا، وصدق الله: "ولا تهنوا في ابتغاء القوم، إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون، وترجون من الله ما لا يرجون"، ولا شك فإن الله يؤيد عباده الصادقين بأي نوع من التأييد، بشرط أن يأخذوا بأسباب العزة، وصدق الله: "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين"، وصدق الشاعر:
بادت شعوب لا تريد     وإذا أرادت لا تبيد
أمتنا بحاجة إلى ثقة بالله وثقة بالنفس، وترتيب لأولوياتها، ومصالحة مع الله تعالى، وإعادة بناء هوية نعتز بها ولا نخجل منها، فما في قابل الأيام من أمور اتضحت إرهاصاتها لهو شيء مفزع، واليد الواحدة لا تصفّق، فلا بد من تظافر الجهود والإعداد الحقيقي بكل أشكاله، لا مجرد الأماني.

التعليق