الجنة عند أقدام الأمهات لا فوق رؤوس الآباء!

تم نشره في الجمعة 23 آذار / مارس 2018. 01:00 صباحاً

أسامة شحادة

مما ثبت عن حبيب قلوبنا النبي صلى الله عليه وسلم أن معاوية السلمي رضي الله عنه جاءه وطلب الخروج معه للجهاد، فقال له صلى الله عليه وسلم: "ويحك، أحيّة أمك؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: ويحك الْزم رجلها فثَمّ الجنة"، رواه ابن ماجه وصحّحه الألباني، وفي توضيح أن الجنة عند قدم الأم يقول العلامة علي الملا قاري في كتابه "مرقاة المفاتيح" هو: "كناية عن غاية الخضوعِ، ونهاية التذلل، كما في قوله تعالى: "واخفض لهما جناحَ الذلّ من الرحمة"، ومعنى الحديث إجمالا الحث على برّ الأم، ولزوم طاعتها، وأن ذلك سبب في دخول الجنة، أو أن دخولها معلق بطاعتها"، وذلك لما للأم من مكانة ودور وتضحية يقدرها الإسلام عالياً فجعل الجنة عند قدمها.
وهذا التعظيم والتفضيل للأم على الأب أكده المصطفى عليه الصلاة والسلام في أحاديث متعددة منها جوابه لمن سأله عن من أحق الناس بحسن صحابتي؟ فقال عليه الصلاة والسلام: "أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك" رواه البخاري، ويتضح هنا أن تقدير الأم يفضل تقدير الأب بثلاثة أضعاف، وفي القرآن الكريم نجد تعظيم دور الأم، فحين أمر الله عز وجل ببر الوالدين فصل بخصوص معاناة الأم مع الأولاد دون الأب فقال تعالى: "ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنًا على وهن وفصاله في عامين أن أشكر لي ولوالديك إلي المصير" (لقمان: 14).
وروى البخاري في كتابه الأدب المفرد عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان لا يرى عمل يتقرب به إلى الله عز وجل أعظم من بر الأم.
وهذا التفضيل للأم على الأب هو جزء من تفضيل واختصاص جنس النساء على جنس الرجال في بعض الأشياء، والذي نصّ عليه الله تعالى في القرآن الكريم في قوله تعالى: "ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيبٌ مما اكتسبوا وللنساء نصيبٌ مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما" (النساء: 32).
فهناك أمور فُضلت وخصّت بها المرأة على الرجل بحسب طبيعتها التي خلقها الله عز وجل عليها، وهو تفضيل أمر الله عز وجل به، وهو العليم الحكيم، ومنها:
تفضيل المرأة على الرجل بإسقاط الصلاة عنها وقت الحيض والنفاس بسبب ما تعانيه، ويُكتب لها أجر الصلاة دون أن تقضيها، بينما الرجل لا تسقط عنه الصلاة بأي حال.
فضلت وخصت المرأة بعدم إيجاب صلاة الجمعة والجماعة عليها.
فضلت المرأة على الرجل بإباحة  لبس الذهب والحرير لها.
فضلت المرأة بتمتعها بمالها لوحدها وبعدم إيجاب النفقة عليها لولدها أو والديها أو زوجها، بينما الرجل تلزمه النفقة على ولده وزوجته ووالديه.
فضلت وخصّت المرأة بعدم وجوب الجهاد عليها بخلاف الرجل.
فضلت المرأة بأن فريضة الحج لا تجب عليها حتى يتوفر لها رجل محرم يحرسها ويخدمها حتى ترجع.
وخصت وفضلت المرأة بقبول شهادتها دون الرجل فيما يخص أمور الرضاعة والحضانة والنسب.
وهناك أمور أخرى أيضًا خصت وفضلت بها المرأة دون الرجل.
وبالمقابل، فإن المرأة تتساوى مع الرجل في أمور الدين والعبادات، فلما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الغسل عند الاحتلام للنساء، قال عليه الصلاة والسلام: "النساء شقائق الرجال" رواه الترمذي وصححه الألباني، فالنساء كالرجال في أمور الطهارة والصلاة والصيام والحج والزكاة، على تيسير لصالحهن كعدم حلق الشعر في الحج وعدم الرمل (الهرولة) في الطواف والسعي، وأيضًا فإن المرأة تتساوى مع الرجل في الثواب والحسنات على أمور الخير والبر.
وهناك أمور خصت بالرجل وفضل بها، قال تعالى: "ولهنّ مثل الذي عليهنّ بالمعروف وللرجال عليهنّ درجة" (البقرة: 233)، ولكن هذا ليس تفضيلا لمطلق جنس الرجال على النساء، بل هو تفضيل في بعض الجوانب كجعل قيادة الأسرة للرجل مع أمره بحسن العشرة والمشاورة وخفض الجناح لزوجته وأبنائه.
عموماً، الإسلام وهو شريعة الله عز وجل يعتمد العدل في تقييم العلاقة بين الرجال والنساء فيراعي حاجة كل جنس منهما، ولا يفضل جنسا على آخر بشكل مطلق، وهذا هو الحق الذي ضلّت عنه البشرية لما أعرضت عن تشريع الله العليم الحكيم الذي خلق الخلق فأتقنه وسخّره لما خلقه له.
فالعدل ومراعاة حاجة وطبيعة كل جنس من الجنسين هو الحق والصواب، بينما دعوات المساواة المطلقة -في حقيقتها- ظلم مطلق، فكيف نساوي بين مختلفين؟
هل من الصواب مساواة السليم بالمصاب؟ ومساواة القوي بالضعيف؟ ومساواة العالِم بالجاهل؟ والغني بالفقير؟
المساواة بين المرأة والرجل تكون عدلاً حين تراعي توازن الطرفين في قضية محددة كالثواب على أعمال الخير أو العبادات أو الأجرة على نفس الوظيفة (طبيبة/ طبيب، معلمة/ معلم) وسوى ذلك يكون ظلما للمرأة، إما بتكليفها بما لا تطيق، أو بحرمانها من ميزة وتفضيل خصّت به!
وختامًا؛ فإن الاستسلام والانقياد لأوامر الله العليم الحكيم فيهما الخير كله، وفيهما العدل كله، والرحمة كلها، ومَن طالع واقع بؤس الأسرة والمرأة والرجل في الحضارات الأخرى من حولنا التي تنكبت طريق الرحمن واتبعت أهواءها وشهواتها سيعلم مقدار عظمة ورحمة تفضيل الله عز وجل للنساء والرجال على بعضهم البعض في جوانب عدة. 

التعليق