أقلام تحت التراب؛ ما بين إرنست هيمنغواي وحسين البرغوثي

تم نشره في الأربعاء 28 آذار / مارس 2018. 01:00 صباحاً

  دانا جهاد شوارب

أمضيت وقتاً لا بأس به في اليومين الماضيين مع هيمنغواي وحسين البرغوثي، أتقلب كورقة خريف حائرة بين كفيهما، يتبادلان امتلاك رغبتي في السفر عبر رائحة صفحات قصصهما بلا هوادة.
لم يسبق لي أن شاهدت مصارعة ثيران في إسبانيا إلا مع هيمنغواي. لا، أنا لم أشاهدها وحسب، أنا كنت مصارع ثيران ذا ظفيرة كانت آخر ما أملك من كرامة بعد صراع مع ثور صلب "وكأنه كله عظم"، وكنت في ذات الوقت نخّازا بيده رمح يلمع تحت أضواء قوية، خلقها الإنسان من رحم الظلام محاولاً أن يحاكي عظمة النهار. يلمع الضوء في عيني حادّاً، كنت ثوراً لا أفهم تآمر مهرجين كثر من حولي محاولين قتلي في تلك الحلبة الرملية. كنت مراسلاً في صحيفة، مجبراً على رؤية ثور يحتضر لكي أستطيع تسديد ثمن الجعة التي سوف تروي عطشي -على الأقل- طوال الأسبوع القادم.
وبعد أن نخزتُ نفسي وسال الدم كثيفاً ساخناً على كتفي، أنزلتُ رأسي ومتّ بضربة من سيفي. صفّق الجمهور بجنون، هتافات مصحوبة برغبة مريضة لاستنشاق رائحة الموت... أغلقت الكتاب.
تذكرت يوم كنت بندقية في يد جندي محتضر في جبال إسبانيا، ومن حولي أعداء كل منهم يصوّب غضبه نحوي، رحل الرفاق وتركوني حصاناً مصاباً يتشبع رائحة التراب. عدتُ إلى يوم كنت في مخاض بشع في مشفى لن أغادره سوى في صندوق محكم الإغلاق وطفلي بجانبي، جنين لم يترك بصمته في العالم بصرخته الأولى.  بكيت بحرقة طوال ساعات فجر ذلك اليوم، تساءلت بينما وقعت دموعي مساميراً تثبّت أقدامي تحت المطر: "كيف نكون بلا كاترين؟".
تمنيت أن أعود سنيناً إلى الوراء وأسافر عبر القارات وأتوه في الشوارع حتى أصل عتبة بيت إرنست، أطرق الباب.
-هل السيد إرنست هيمنغواي موجود؟
-نعم، من أخبره؟
-مسافرة عبر الزمن، أتيت لكي أحضتنه وأبكي فوق كتفه حتى أشعر أنني ولدت من جديد.
-لحظة من فضلك.
واستمرت تلك اللحظة سنيناً طويلة، وانتهت بصوت رصاص بندقية بمثابة إبنه الصغير الذي وعده بتخليصه من ألم المخاض، والموت، والتشرد في جبال إسبانيا بين أحضان غجرية سمراء، ومن آلام حروقٍ تسبب بها هدير دم يغلي على كتف ثور محتضر، ومن ليالٍ عاصفة على شواطئ كوبا.
تركني هيمنغواي، في اللحظة التي سمعت فيها صوت الرصاصة تهشم خطوط إبداعه، تشرّدتُ وبقيتُ على عتبة باب بيته أنتظر من يأتِ ليمسك بيدي فأعبر الشارع وأمضي. كيف لقلم تحت التراب أن يأخذ معه جزءاً مني ويمضي بهذه البساطة؟
ثم طرقت باباً آخر، وجدتني في حديقة مزروعة باللّوز، أصابعي تتسلل بين أغصان شجرة ومن بينها تتسلل الشمس. حسين من خلف النافذة يراقب، يخاف أن تهاجم الثعالب. لم تعد الثعالب تهاجم ليلاً فقط يا صديقي، فهي اليوم تحمل بندقيات وقنابل مسيلة للدموع وتلبس خوذة تحسباً من لحظة خوف تنسف فيها دماغها، تتجول بمكر بيننا طوال اليوم، في كل الفصول والأوقات.
لذا دع الخوف جانباً، لا تهتم لتلك التفاصيل، تعال معي إلى الخارج وأعد سرد قصة مدينة اسمك عليّ من جديد، كاملة كما في الكتاب. أخبرني عن بترا وآثر أكثر، لدي فضول عجيب اتجاه الغوص في تفاصيل حياة المبدعين!
دعني أخبرك ما هو أهم، أتذكر عندما حدثتني عن الرصيفة؟ ضحكت مطولاً، لم أتخيل في يوم أنه يمكن لأحدهم أن يصف تلك البقعة الهزيلة من الأرض بتلك الطريقة! ولكنّ الحق يقال، إن التواجد في بلادنا من أصله هو "سوء تفاهم مع الله"! هل تنقذنا البتراء على الأقل وتخفف من وطء اللعنة على أرواحنا؟ على أية حال، سوف أزور شاطئ العقبة في أقرب فرصة ممكنة وأمشي على التراب حافية وألقي بإسمك في البحر لكي تبقى هناك، أزورك في كل وقت تغيب فيه أزهار اللوز عن حديقة بيتنا.
بعد أن ألبس كل ثوب في رواياتهم، أكاد أضيع ولا أجد نفسي، تارة أكون سعيدة على باب حانة تنتظر قطار مدريد كل يوم في ذات الوقت، وتارة أخرى أعاني من آثار الكيماوي في فيلا أثاثها مبتذل في الرصيفة. أتشبث بالحياة مهما كان شكل ثوبي، مطرز بأجمل الألوان في رام الله أو بدلة عسكرية مطرزة بدماء إصابتي في إيطاليا. كم هو متعب البحث عن النفس في كل رواية، أو قصة قصيرة أو قصيدة.
أتقمص ابتسامة جندي وجد سيجارة تؤنسه في ليل معركة حالك، أو خيط شمس يتسلل من خلف ستارة نائمة في "مستشفى الأمل".
لربما -من يدري- أنا مجرد فتاة تبحث عن الحياة في كلماتِ من تركوها، طوعاً أو قسراً.

التعليق