الرّحمة للحيوانات العاملة في البتراء

تم نشره في الأربعاء 28 آذار / مارس 2018. 12:00 صباحاً
  • سياح في البتراء يتنقلون على الجمال (أرشيفية)

جايسون بيكر*

حتى قبل وصولي، كنت أُدرك بأن هذه الرحلة إلى الأردن ستكون خلافًا لسابقاتها.
كانت زيارتي الأخيرة منذ ما يقرب 12 عاماً، خلال حرب تموز حيث كان مقرّرًا أن نمكث أنا و فريقي في عَمّان لمدة أسبوع. كانت منصة انطلاقنا لتوصيل الإمدادات البيطرية الحيوية، الغذاء، والماء للحيوانات في لبنان. لم يكن البشر هم الوحيدين الذين عانوا بسبب التفجيرات.
وعلى الرغم من أيّ مخاوف أخرى تملّكتنا، لم أشك أبداً في أن تلك الإمدادات التي كنا بحاجة إليها سيتم توصيلها، وهذا ما حصل بالفعل.خلال زيارتي إلى الأردن في العطلة، لاحظت التعاطف والإبداع في شعبها - الذي اتضح جليًّا عند اختتام سوق "جارا" و الإنجاز العظيم لـ "المركز الإنساني لرعاية الحيوان"، و كذا حسن الإستقبال في البيوت والفنادق التي مكثنا فيها.
 إن كان هناك شيء مريح للبال في الأردن أكثر من الاستيقاظ إلى فنجان من القهوة المركزة وأول نداء للصلاة في اليوم، فإني لم أكتشفه بعد.
مواقع الأردن التاريخية ليست ما أحبه، بل الشعب. هذا هو السبب الذي يجعلني أتألم كثيرا عند رؤية طريقة التعامل مع الحيوانات العاملة في البتراء.
أكثر من 1300 من الخيول، الحمير، البغال والجمال تكدح بشدّة في المدينة الوردية كل يوم. ويُجبرون على حمل السّياح على ظهورهم أو نقلهم على متن عربات في رحلات شاقة عبر المدينة القديمة تمتد على مسافة 10 كيلومترات. البعض الآخر يقضون حياتهم في نقلهم ذهابًا و إيابًا بين مناطق الجذب السياحي في البتراء، أو أسوأ من ذلك بكثير، إذ يترنّحون صعودًا و نزولًا 900 خطوة على السلالم المتداعية نحو الدير المشهور وهم يحملون السياح على ظهورهم.
هذه الحيوانات لا تُجبر على القيام بعمل يقصم الظهر فحسب، بل تُحتجز أيضًا في ظروف معيشية مريعة. الرعاية البيطرية محدودة للغاية، الكثير منهم يعانون من العرج، المغص، والإرهاق الشديد ويبقون لعدة أشهر محرومين من العلاج الذي يحتاجونه. الكثير منهم لا يُمنحون غذاءًا ولا مياهًا ولا راحة كافية رغم حرارة الصيف المنهكة. أذكر أني قرأت صحيفة تتحدث عن حيوانات البتراء العاملة. أين استذكر الكاتب رؤية العشرات منهم ينتظرون الزبائن في "الشمس الحارقة دون ظل". أحد الخيول - كان مرهقًا بعدما قضى يومًا طويلًا في نقل السياح وامتنع عن النهوض مجدّدًا- تم جلده من طرف الحوذي (سائق العربة).
الرجال وحتى الأطفال شُوهدوا وهم يضربون ويجلدون البغال بقسوة لإجبارهم على مواصلة الطريق نحو  الدير. لا تحتاج لأن تكون خبير آثار كي تُدرك المخاطر التي يواجهها هؤلاء الحيوانات.
الأمر مزعج للغاية خاصة و أن المشكلة لا تزال قائمة رغم أن وزارة السياحة والآثار قد اعترفت بأن سوء المعاملة هو أمر روتينيّ، كما أكّدت أن القسوة على الحيوانات تُؤخذ بعين الإعتبار في الأردن. بيان الوزارة المتعلّق بهذه القضيّة إستشهد بتعاليم الإسلام، مشدّدًا على أنّ المسلمين مُطالبون بمعاملة الحيوانات بلطف. إذًا لماذا لا تزال الحيوانات العاملة في البتراء تتعرّض للإساءة؟
أنا لست ساذجًا - أنا أُدرك أن القسوة على الحيوانات لا تقتصر على البتراء أو حتى الأردن. لكن الحيوانات لا تُجبر على حمل السياح صعودًا ونزولًا على السلالم العمودية الحادة في مواقع أخرى حول العالم تابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم و الثقافة (اليونسكو)، فلماذا يحدث ذلك في هذه المدينة؟
البتراء فريدة من نوعها في المنطقة لأنها تمتلك الموارد اللازمة لمعالجة المشكلة: الأجانب يدفعون رسومًا تُقدر بـ 50 دينارًا أردنيًّا على الأقل لدخول المحميّة. وصحيفة "جوردان تايمز" أصدرت تقريرًا عن نموٍّ في قطاع السياحة على مدى العامين الماضيين. بعض تلك الأموال يجب أن تُستعمل في مساعدة السكان المحليين على تجنب استغلال الحيوانات. يمكن إنشاء عائدات إضافية من خلال إدخال عربات الكريشا ثلاثية العجلات، دراجات السيجوي، الدراجات الهوائية، وحتى عربات الغولف ذات المحركات. ودائمًا يبقى للسياح خيار المشي.
إن التعليم هو المفتاح. عندما يكون مصدر قوت البشر هو إجبار الحيوانات على نقل السياح في رحلات، فهذا لا يصب في صالح المجتمع - ببساطة إنّه يحرم الناس من حياة أفضل. بل ينبغي أن تُوَفّر لهم الوسائل الحديثة والدّعم حتى يتمكنوا من التوقف عن استغلال الحيوانات لكسب المال.على منظمة اليونسكو أن تتدخل كذلك. البتراء موقع تراثي عالمي، والسلالم الحجرية الرملية المؤدية للدير تتآكل بسبب حمولة الحمير و البغال و ثقل البشر على ظهورهم. هذا يُشوّه صورة البتراء أيضًا، كما هو واضح من خلال تعليقات السياح المثيرة للإشمئزاز.
وأولئك الذين يديرون الموقع يجب أن ينشروا الرحمة الأردنية التي يستذكرها و يُقدّرها الكثيرون -بمن فيهم أنا- من خلال زياراتنا.
حان الوقت لتقاعد الحيوانات العاملة في البتراء وتزويد أولئك الذين يستغلونها حاليًا بسُبل عيش لا تنطوي على معاناة الحيوان.

*نائب رئيس الحملات الدولية لمنظمة بيتا آسيا.

التعليق