إنقاذ الطبقة الوسطى المنكمشة

تم نشره في الأربعاء 28 آذار / مارس 2018. 12:00 صباحاً

محمد عبد الله العريان*

ذات يوم كان العديد من المراقبين ينظرون إلى التواجد عند وسط عملية التوزيع باعتباره نتيجة محببة وداعمة للاستقرار ومرغوبة. ومن العمل كمرساة في مجتمع الطبقة المتوسطة إلى رشاقة ومرونة الشركات المتوسطة الحجم، كان كثيرون ينظرون إلى الوسط على أنه مكان متسق مع الرفاهية الفردية والجماعية. ومع ذلك، في السنوات الأخيرة، أصبح الوسط أقل استقرارا، وأقل وضوحا في ما يتصل بتصرفاته المحتملة.
لعقود من الزمن، ساعد ارتفاع دخل الأسرة المتوسطة في الاقتصادات المتقدمة على ترسيخ نمو طبقة متوسطة كانت تميل غالبا إلى اختيار الوسط السياسي. وإلى جانب مؤسسات مستقرة وجديرة بالثقة، عملت الطبقة المتوسطة كعامل استقرار لمجتمع أكثر ازدهارا. وفي عالَم الأعمال أيضا، كان المراقبون ينظرون إلى البيئة حيث ازدهرت الشركات المتوسطة الحجم على أنها بيئة مرغوبة، لأنها ساعدت في تسوية الخلافات بين الشركات الصغيرة التي تفتقر إلى قوة دفاتر الميزانية العمومية وميل نظيراتها الأكبر حجما إلى الانزلاق إلى احتكار القِلة الراضية عن الذات.
بيد أن الدخول المتوسطة أصابها الركود، والذي تسبب تدريجيا، مقترنا بتأثير التكنولوجيا وعدم كفاية اهتمام السياسات بالتأثيرات التوزيعية المحتملة الناجمة عن العولمة الجامحة، في تفريغ الطبقة المتوسطة في مختلف أنحاء العالَم. ونتيجة لهذا، أصبح الأمل في حياة مُرضية في الطبقة المتوسطة، والواقع الذي يحمل إمكانية الحراك الاجتماعي الصاعد، في انحسار.
بالإضافة إلى إضعاف قوة اجتماعية مهمة داعمة للاستقرار، أفضى تقليص الطبقة المتوسطة إلى تغذية سياسات الغضب وتقويض الوسط السياسي، الذي كان حتى الآن خاضعا لهيمنة أحزاب راسخة. ومع تزايد الاستقطاب والتشظي، أصبح من الأصعب كثيرا ملاحقة سياسات ثنائية الحزبية.
كما انعكس هذا الاتجاه في تراجع ثقة عامة الناس في رأي الخبراء والمؤسسات الراسخة. وأدى كل هذا إلى دعم نمو أحزاب سياسية أكثر تطرفا و/أو حركات مناهضة للمؤسسة.
كما يثبت الوسط كونه أقل دعما للأعمال واستقرارها. ففي قطاع تلو الآخر، تواجه الشركات المتوسطة الحجم قدرا أعظم من المنافسة من قِبَل الشركات الصغيرة المعطلة للنظم القائمة و/أو الشركات الكبرى. ويشمل هذا القطاع المالي، حيث تآكلت استدامة الشركات المتوسطة الحجم بفِعل التكاليف التنظيمية وتكاليف الامتثال الأعلى. ويتجلى هذا بوضوح في عدد عمليات الدمج بين شركات إدارة الأصول المتوسطة الحجم والتي تفتقر إلى شركة أم قوية.
الواقع أن هذه التطورات كفيلة بإبطاء ما كان حتى الآن يشكل هجرة معززة ذاتيا بعيدا عن الوسط. لكن استعادة الإيمان بجدوى الوسط والرغبة في تعزيزه ــ وهو الاعتقاد بأن الوسط قوي بالدرجة الكافية لتعزيز الاستقرار والرخاء ــ سوف تستغرق بعض الوقت وسوف تتطلب جهودا مستدامة. والواقع أن فقدان الإيمان على هذا النحو، والذي يزداد تعقيدا بفِعل التغير التكنولوجي المتسارع وتفتت النظام الدولي، يقطع شوطا طويلا نحو تفسير لماذا يبدو المستقبل أكثر غموضا، ولماذا يشعر الشخص المتوسط بقدر أكبر من عدم الاستقرار.

* كبير المستشارين الاقتصاديين في أليانز، وكان رئيسا لمجلس الرئيس الأميركي باراك أوباما للتنمية .
خاص بـ‘‘ الغد‘‘ بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق