سلوك غير سوي

تم نشره في الثلاثاء 3 نيسان / أبريل 2018. 11:00 مـساءً

منال أحمد كشت

عبرت إحدى سيدات عائلتنا عن استيائها الشديد من أسلوبي في تربية أطفالي بعد أن قام ابني عبدالله البالغ من العمر أربعة أعوام بإسقاط قوار نبتة بغير قصد، وانتقدت ما أسمته بأسلوب التربية الحديث الذي أقوم باستخدامه معهم. سألتها عن تعريفها لهذا المفهوم فأجابت: "الولد اذا ما انضرب أو اتبهدل ما بصير بني آدم ولا بيتربى". استفزني جوابها جدا وأخبرتها بأنه لا يمكن لي تحت أي من الظروف أن أضرب أو أهين طفلا عاجزا عن الدفاع عن نفسه أمامي أو الرد علي بالمثل وبأن الحوادث تحصل مع الجميع صغارا وكبارا بلا استثناء. فاستأنفت حديثها أثناء تنظيفها بقايا السكر التي أسقطتها على الطاولة، بلا قصد منها، بأنه "لا بتعرفي تربي ولا شي".
هذا النوع من التعنيف الجسدي أو اللفظي نسمع عنه في كل مكان؛ فهو جزء لا يتجزأ من الموروث الثقافي المجتمعي الذي يجد في ضرب الأطفال أو إهانتهم سلوكا طبيعيا، لذلك غالبا ما تجد الأمهات يتعاملن بطريقة مبالغ فيها مع هفوات أطفالهن، لأنهن يتوقعن منهم أن يكونوا مثاليين ومسؤولين عن تصرفاتهم وهادئين ونظاميين، علما بأن الهدف من وراء ذلك في أغلب الأحيان هو صورة الأم العامة أمام الآخرين وبأنها مثال يحتذى به في حسن تربية أطفالها أكثر مما هو متعلق بمصلحة الطفل الفضلى، والدليل على ذلك بأننا نتغاضى عن الأخطاء نفسها في حال قام بها أفراد بالغون ونتعامل معهم بدبلوماسية أو "مسايرة".
يعرف العنف ضد الأطفال على أنه الاستخدام المتعمد للعقاب البدني الذي يشمل الضرب أو حتى التعذيب، بالإضافة الى ممارسة العنف اللفظي المتمثل بالصراخ والتعنيف والإهانات، أضف الى ذلك التحرش الجنسي والاغتصاب الى جانب الإهمال النفسي والطبي وعدم تلبية حاجات الطفل الأساسية. إن التزامنا كأولياء أمور أو معلمي مدرسة أو أفراد في المجتمع، يحتم علينا من كل بد احترام وحماية حقوق الطفل بوصفه أحد العناصر الأساسية التي ستوفر لهولاء الأطفال بيئة آمنة وسليمة.
لهذا لا بد من التركيز على ثلاثة محاور من شأنها النأي بالأطفال عن مظاهر العنف بأوجهها كافة؛ بداية بالأسلوب الوقائي الذي يعنى باتخاذ التدابير كافة اللازمة لتفادي حصول العنف وتوعية المجتمع بخطورة العنف وآثاره السلبية المستقبلية على شخصية الطفل ودفعه لممارسة العنف على أقرانه. لذلك من المهم التركيز على أساليب وطرق التعامل السوي مع الأطفال عند ارتكابهم الأخطاء والاستعاضة عن التعامل بعنف بمنهجية تعديل السلوك بعيدا عن التهديد والوعيد لأن ذلك من شأنه إضعاف شخصية الطفل وفقدانه شعور الأمان والاستقرار اللازمين لنموه العقلي والنفسي السوي.
كما أنه من الضروري التركيز على الأسلوب العلاجي؛ ونعني بذلك تقديم المساعدة والدعم النفسي للأطفال الذين تعرضوا لأي نوع من أنواع العنف بعد حدوثه للتخفيف من إحساسهم بالألم الناتج عن الأذى النفسي ومحاولة تلطيف الآثار النفسية الناتجة عن تعرضهم للعنف من قبل أخصائيين وتربويين. كذلك ينبغي الاهتمام بالجانب التشريعي الخاص بسن القوانين؛ فكثير من الأشخاص يعتبرون أن من حقهم التعامل مع أطفالهم بالطريقة التي يرونها مناسبة، وأنه ليس من حق المجتمع التدخل في تربية أطفالهم. ولكن فلنكن واقعيين ولنتذكر أن إنجابنا أطفالنا لا يعني بأننا نملك الحق في حرية التصرف معهم، لذلك لا بد من سن القوانين التي تضبط تصرفاتنا تجاه الأطفال وجعل مثل هذه القوانين سارية المفعول وقابلة للتنفيذ بهدف حمايتهم وضمان حقوقهم.
إن ممارسة العنف ضد الأطفال هي سلوك غير سوي بالمطلق، ودليل على خلل وضعف في شخصية الأب أو الأم؛ فالاعتداء على طفل عاجز عن الدفاع عن نفسه يجب أن يتم اعتباره جريمة ينبغي أن يعاقب عليها القانون. لن يصبح أولادنا رجالا اذا قمنا بضربهم، ولن تصبح بناتنا أكثر طاعة إن قمنا بتعنيفهن. إن أطفالنا مجرد مخلوقات صغيرة بريئة تسعى لاكتشاف ما حولها والتعلم بالطريقة التي تناسبها، لذلك لا يجوز لنا تصنيفهم على أنهم "إرهابيون" والتعامل معهم بناء على ذلك بكل عنف وحزم. فلنمنحهم المساحة الكافية الآمنة لارتكاب الأخطاء لأننا بذلك نسهم في بناء شخصياتهم وتعزيز ثقتهم بأنفسهم.

التعليق