لب الصراع في المنطقة

تم نشره في الثلاثاء 10 نيسان / أبريل 2018. 11:04 مـساءً

محمد الشواهين

جيلنا عاش وحدة الضفتين التي ما تزال تعيش في ذاكرتنا كأقدس وحدة عرفها التاريخ العربي المعاصر، كانت المملكة تتكون من ضفتين شقيقتين تمثلان رئتين لجسد واحد، إذاعتنا كانت تصدح بصوت المذيعين الأوائل، ومن بينهم المرحوم إبراهيم الذهبي، ذو الصوت الجهوري، هنا إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية من عمان والقدس، كانت هذه العبارة تحمل في طياتها معاني في غاية الرفعة والروعة، التي تسر السامعين، وتغيظ أعداء الأمة الذين كانوا يسعون الى التفتيت والتجزيء والفرقة.
من الملاحظ في تلك الحقبة أن الرجل من أهل المفرق أو معان أو السلط أو غيرها من مدن وقرى وبادية الشرق، يرتحل بكل سهولة ليقيم على أي بقعة من الضفة الغربية ويتملك ما يشاء حسب قدرته المالية، والأمر كذلك لأهالي الضفة الغربية. جميع المواطنين تجد لديهم الانتماء للمملكة وعلمها، والولاء التام للعرش الهاشمي.
من الرجال الأفذاذ، والأسماء المعروفة، الذين خدموا غربي النهر، ولا يحضرني الا القليل منهم، مع الاحترام وحفظ الألقاب، حابس المجالي، محمد أحمد سليم، موسى المحيسن، نزار المفلح، مهاوش مذيب، علي مطلق الهباهبة، يوسف المبيضين وغيرهم، وعلى أرض فلسطين وأسوار القدس، سالت دماء الأردنيين البواسل، من شرقيين وغربيين، في الدفاع عنها، ومجابهة عدو زرعته قوى الظلم والطغيان بدون وجه حق.
العلم الأردني كان يرفرف على القدس ونابلس والخليل، كما هو الحال في عمان وإربد والكرك وتوابعها من الأقضية والنواحي، كان تلاميذ المدارس شرقا وغربا ينشدون كل صباح "دمت يا شبل الحسين" و"عاش المليك".
تداخل النسيج الوطني وراح ينصهر في بوتقة المصاهرة والنسب والتنقل السكني والوظيفي، وشهدت بنفسي جلالة المغفور له، الملك الحسين رحمه الله، في ملعب بلدية القدس، في منتصف الستينيات، يخرّج طلاب دور المعلمين من الضفتين، والكشافة من مدارس المملكة كافة كانت تمر من أمام المنصة؛ حيث كان جلالته وقوفا على قدميه، يستعرض الخريجين وأفراد الكشافة من الساعة العاشرة صباحا وحتى الخامسة مساء، وكاتب هذه السطور أحدهم، في جو من الفرح والسرور والغبطة برؤية الحسين والمرور من أمامه.
بعد سقوط الضفة الغربية في أيدي الاحتلال الإسرائيلي، بذل جلالته جهودا مضنية، كي تبقى الجسور مفتوحة بين الضفتين، كي يجنب أهلنا غرب النهر الاختناق والانحباس، الأمر الذي حال دون تحويل الضفة الى سجن كبير.
نكسة حزيران العام 1967، كانت في الواقع هزيمة مدوية للجيوش العربية التي دخلت المعركة بدون استعداد كاف لها. للإنصاف، قيادتنا الهاشمية كانت مدركة أنها رهان خاسر، ولم تكن لديها النية في دخول تلك المعركة، بيد أن جمال عبد الناصر كان مصرا على ذلك، لأن قادة جيوشه أوهموه بقدرتهم على هزيمة الجيش الإسرائيلي، وتوفير غطاء جوي للجبهة الشرقية بقيادة الفريق عبد المنعم رياض، فكانت الكارثة.
شهدت المنطقة بعدها مشاريع عدة ومحاولات لإحلال السلام بين العرب وإسرائيل، ابتداء من مبادرة روجرز، وحتى الخيمة في الكيلو 101، بعد عبور الجيش المصري قناة السويس الى سيناء في حرب رمضان العام 1973؛ إذ أعقبها معاهدة كامب ديفيد ثم أوسلو وأخيرا وادي عربة.
لب الصراع العربي هو القضية الفلسطينية، الاحتلال الإسرائيلي ما يزال جاثما على صدور أبناء الضفة الغربية ومحاصرا لقطاع غزة، كل المفاوضات التي جرت بين الإسرائيليين والفلسطينيين للتوصل الى حل دائم فشلت، بسبب التعنت الإسرائيلي وصلفه.
المراقبون والمتابعون للواقع العربي بشكل عام، والفلسطيني بشكل خاص، يرون أنه لا حل للقضية الفلسطينية في المدى المنظور، بعيدا عن دور أساسي للأردن. من هنا لا بد من إعادة إيجاد صيغة وحدوية تناسب واقع الحال شرقا وغربا، تمكن الأردن من القيام بواجبه الوطني والقومي، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

التعليق