بين الانتفاضة الأولى و"مسيرة العودة"

تم نشره في الأربعاء 18 نيسان / أبريل 2018. 12:00 صباحاً
  • فلسطيني يرفع العلم الفلسطيني في مواجهة قوات الاحتلال قرب خان يونس.-( ا ف ب )

y net news.com

يوحنان تسوريف 17/4/2018

تبرز أحداث "مسيرة العودة" في حجمها الجماهيري. يخيل أنه منذ الانتفاضة الأولى لم يكن في الساحة الفلسطينية كثرة عدد المشاركين، كذلك الذي اثارته هذه المسيرة على طول حدود قطاع غزة في يومها الأول، يوم الارض 30 آذار، وفي الأسبوع التالي. وفي نظر المنظمين، هذه خطوة بداية في سلسلة خطوات ستصل ذروتها في 15 أيار. وعدد القتلى الأعلى من المتوسط في الأحداث الجماهيرية التي وقعت في السنوات الأخيرة، وعن العدد الكبير من الجرحى، تبعث بين الفلسطينيين من جهة التطلع إلى الثأر كما تزيد لدى الكثيرين الدافع للخروج إلى التظاهر. وبالمقابل ثمة في عدد القتلى والجرحى ما يردع كثيرين آخرين من استمرار النشاط على طول الجدار الحدودي.
يبدو أنه بدأ هنا فصل جديد في أنماط الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، حيث يتصدى الجمهور الفلسطيني للحسم أي من الطريقين اللذين تتخذهما القيادتان – تلك التي في رام الله وتلك التي في غزة- يجدر به أن يتبناه كالطريق المفضل للشعب الفلسطيني. وفي الخلفية يصدح فشل الطريقين- طريق المفاوضات والتنسيق الأمني لقيادة السلطة الفلسطينية من جهة، وطريق المقاومة المسلحة لحماس، والذي تصاعد الشك في شرعيته بعد حملة الجرف الصامد في صيف 2014.
هذه ذروة مسيرة، بدايتها تعود إلى الانتفاضة الأولى التي نشبت في نهاية 1987. فقد تبين في حينه بسرعة بان منفذيها يعتزمون، بموجات الدعم الدولي الواسع الذي حظيت به، ان يغيروا طرق الكفاح وينتقلوا من العنف إلى الحوار، من الحياة بدلا من إسرائيل إلى الحياة إلى جانبها - التطور الذي سرع الإعلان عن قيام حركة حماس، التي رأت في الاتجاه الذي يتصدره منفذو الانتفاضة، عناصر فتح والتيار الوطني الفلسطيني، مصيبة ستؤدي إلى ضياع الأمل لإعادة اللاجئين إلى ديارهم واعادة بناء الشعب الفلسطيني من البؤس الذي فرضته عليه النكبة.
بعد بضعة أيام من إعلان المجلس الوطني الفلسطيني الاستقلال الفلسطيني (15 تشرين الثاني 1988) توجه منشور من القيادة الوطنية الموحدة لحماس، وبنبرة سيادية دعاها للتسليم بالإعلان، والكف عن زرع الانشقاق في اوساط الشعب الفلسطيني، ودمج كل القوات الموالية لها في أتون الانصهار للانتفاضة.
كانت هذه بداية الصراع، الذي ارتدى طابع صراع الجبابرة، بين الفصيلين اللذين يمثل كل منهما واحدا من الطريقين والفكرين، ذوي المعتقدات والاساسات الصلبة. حتى ذلك الحين تمتعت الحركة الوطنية الفلسطينية وفتح على رأسها، بمكانة حصرية. فالفكرة الوطنية التي قادتها منحت احساسا مريحا لكل من رأى نفسه فلسطينيا. فقد آمنت الحركة بالعروبة، شريطة أن تترسخ الهوية الفلسطينية وتتلقى مظاهرها السيادية.
اما حماس، بالمقابل، فتتحدث بتعابير دينية وطنية، ولا ترى في السيادة الفلسطينية موضوعا مقدسا، وتعتقد بان لا تضارب بين الهوية الفلسطينية والهوية الإسلامية – فهذان هما عنصران يكمل الواحد الاخر ولا يمسان بالهوية الأصيلة الأولى. لقد كان هذا تحديا جسيما طرحته حماس أمام الحركة الوطنية الفلسطينية، شككت بطهارة مقاييسها وخلقت مصدر جذب لكثيرين ساروا وراءها. والخوف من ضياع فلسطين الذي اثاره إعلان الاستقلال في 1988 في اوساط المعسكر الديني والمحافظ، وجد ملجأ في بيته السياسي الذي خلقته حماس في حينه.
اليوم، مع مرور نحو 30 سنة عن ذاك المؤتمر، تقف الواحدة قبالة الاخرى وهما حركتان مستنزفتان وممزقتا الاعصاب، وجمهور واسع دهش، خائب الأمل وضائع الطريق وبغياب زعامة قادرة على أن تقوده بشكل اجماعي لحل يضع حدا للمعاناة المتواصلة. فتح بقيادة أبو مازن تتمتع بمكانة الصدارة، بصفتها الجسم الممثل الذي نال اعترافا دوليا واسعا، تحوز تقريبا كل مقدرات الشعب الفلسطيني، تشكل عنوانا لكل مساعدة وتبرع يأتي من الدول الملتزمة بالاتفاقات الدولية أو ترى نفسها جزءا من هذه الأسرة.
ولكنها تعاني من تآكل متواصل في مكانتها في أوساط الجمهور، الذي يرى فشلا في استمرار حكمها، في فسادها، وفي عدم قدرتها على تحقيق طريقها السياسي. ويعود الجمهور ليعطي ذلك تعبيرا في الاستطلاعات الكثيرة التي تجرى في المناطق التي تحت سيطرتها. اما حماس، بالمقابل، فركبت لسنوات طويلة على موجة "الرفض الراديكالي". فتصلبها، وعدم استعدادها للحديث بتعابير الحل الوسط، العمليات الكثيرة التي نفذتها في إسرائيل او ضد إسرائيليين، كل هذه منحتها مكانة بطولية، غير مرة وضعت في الحرج، خصمها فتح.
ولكن حماس آخذة في فقدان التأييد الجماهيري منذ الانقلاب الذي نفذته في القطاع في 2007، مع انكشاف الفجوة بين الاقوال والافعال، بين التمسك بالمقاومة المسلحة وبين الاخذ بالمسؤولية كحكم، وبقوة أكبر بعد ثلاث حملات عسكرية واسعة، اصطدمت فيها بقوات الجيش الإسرائيلي وخرجت بصعوبة. في المواجهة الاخيرة، الجرف الصامد 2014، اضطرت حماس لان تتصدى لنقد جماهيري وجه لـ "المقاومة المسلحة"، عصفور روحها. ومنذئذ، فإن علامة الاستفهام الموضوعة أمام هذا الخيار واضحة وتلزمها بالحذر.
وجاء دخول الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الابيض، وتبنيه الموقف الإسرائيلي، كما قال أبو مازن بشكل خاص ويقول الفلسطينيون بشكل عام – في مسألة النزاع، اعترافه بالقدس كعاصمة إسرائيل (6 كانون الأول 2017) ونيته نقل السفارة الأميركية إلى هناك، اخرجت الولايات المتحدة من موقف "الوسيط النزيه" الذي تمتعت به حتى الان وازالت عن جدول الأعمال الفلسطيني كل محاولة للتقدم في المفاوضات بقيادة أميركية. هذا هو المأزق الاعمق الذي علقت فيه القضية الفلسطينية منذ بدأت المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين بوساطة أميركية. ولكن بالمقابل، يدور الحديث عن نسغ مكتل بالنسبة لمن يبحث عن الربط بين شطري الشعب الفلسطيني.
أبو مازن، على نحو شبه مؤكد، كان سيتوجه إلى مجلس الأمن كي يبحث في التصعيد الذي أدى إلى وفاة 29 فلسطينيا، حتى لو لم تكن حماس مشاركة في هذه الاحداث. وقد كان هو الذي قرر تأجيل فرض العقوبات على غزة في هذه الاثناء، والتي كان تعهد بها مؤخرا حين أطلق انتقادا حادا على حماس وعلى محاولة الاغتيال للمسؤولين لديه: رئيس الوزراء رامي الحمد الله ورئيس المخابرات ماجد فرج. فإعادة المسألة الفلسطينية إلى مركز جدول الأعمال الدولي تخدم سياسته أيضا.
عمليا، اثبت قطاع غزة في أحداث "مسيرة العودة" ما كان معروفا منذ الانتفاضة الأولى. فقد كان القطاع هو الذي أثار الانتفاضة، بخروج الشيوخ، النساء والأطفال إلى الشوارع واعطاء تعبير حقيقي عن قوة البعد الجماهيري. كما كان القطاع الأول في الكفاح، منذ السنة الثانية من الانتفاضة الشعبية، بمظاهرها السلبية وأدى إلى خبوها. فالضائقة القاسية، وكذا احساس الدونية والظلم السائدين في القطاع، هي مادة اشتعال تخلق رواسب وتتفجر عندما تكون الساعة ناضجة والذريعة الفورية موجودة. اما الواقع اليوم فأصعب حتى من الماضي، والانقسام بين الطرفين فاقم الضعف الفلسطيني لدرجة الشلل. ولكن إعلان القدس من جانب الرئيس ترامب وتصريحه بشأن نقل السفارة الأميركية إلى المدينة خلقا قاسما مشتركا، ربط بين كل مراكز القوة الفلسطينية – مؤيدي حماس، ابو مازن ومعارضي الجهتين على حد سواء.
ومع ذلك، مشكوك جدا أن تتمكن عموم هذه الجهات من أن تستخلص من البعد الجماهيري للاحتجاج الانجازات التي استخلصوها في الانتفاضة الاولى. وذلك رغم شك الجمهور بصدق نوايا القيادتين، غياب الدعم الدولي والعربي حتى الآن، وإضافة إلى الردع الذي تخلقه إسرائيل في ردها على المظاهرات. بالمقابل تجدر الاشارة إلى أن يومي الجمعة الاولين منذ بدأت هذه الاحداث يفيدان بان البعد الجماهيري لم يفقد من قوته. كما أن حقيقة أن الارتفاع في حجم العمليات والاحتكاك مع إسرائيل منذ "إعلان القدس" لترامب يتواصلان لفترة زمنية اطول من المعتاد منذ صيف 2014، تفيد بانه توجد طاقة قادرة على أن تغذي مزيدا من النشاط من هذا النوع.
أساس الاختبار هو لحماس، بصفتها الحاكم في القطاع. فهل ستنجح من خلال "مسيرة العودة" التي تقودها وان لم تبادر اليها، في توسيع القاسم المشترك بين المعسكرين الفلسطينيين المتخاصمين، في زيادة الدافعية للمشاركة والابقاء على التوتر والتصعيد بجوار الجدار، حتى الذروة المخطط لها في 15 أيار، أم ربما تكتفي بمحاولة القاء المسؤولية عن فشل المصالحة الفلسطينية الداخلية والواقع الداخلي الضعيف على قيادة السلطة الفلسطينية في رام الله؟ الايام ستقول.
إسرائيل من ناحيتها، بالتوازي مع سعيها لاحتواء احداث الجدار ومنع الانتقال إلى تصعيد جارف، وبينما تؤيد طلب أبو مازن، "قانون واحد وسلاح واحد" في الساحة الفلسطينية، تضطر إلى التصدي لنتائج تفاقم المشاكل الانسانية السائدة في قطاع غزة – والتي مصدرها، ضمن أمور اخرى، في العقوبات التي تفرضها السلطة الفلسطينية على حماس، وعليه فسيتعين عليها أن تساعد في تجنيد التبرعات التي غايتها التخفيف من الضائقة السائدة في القطاع.

التعليق