ثقافة الظواهر!!

تم نشره في الأربعاء 18 نيسان / أبريل 2018. 11:00 مـساءً

المهندس هاشم نايل المجالي

في الماضي، كانت هناك حصة مدرسية تسمى حصة المطالعة، كذلك كان هناك دفتر للخط العربي نتعلم كيف نخطط الكتابات وفق أسطر، الآن نحن في زمن لم يعد لدينا الوقت لنقرأ كتاباً أو قصة أو نكتب ونخطط، بل لم يعد لدى الكثيرين رغبة في ذلك لأننا في السابق كنا نقرأ لأنها الوسيلة الوحيدة لملء الفراغ والتنافس بالحفظ والقراءة والخط، حتى جاء العالم الافتراضي فمنحنا شيكا على بياض نسرف فيه في هدر الوقت أينما كنا بالمكتب أو المنزل أو السيارة، حتى ونحن نسير بالطرقات، ولم يعد للمعرفة أي فرح في ظل الفوضى المعلوماتية العارمة التي لم يعد للمعرفة فيها مصداقية أو تنظيم، بل أصبحت ذات غاية وهدف واضح لغاية معينة.
كذلك غثاء الكلام، فهناك من ينصّبون أنفسهم مثقفين أو كتاباً أو إعلاميين، تجدهم يركبون كل موجة وكل حدث وأزمة ويركضون برفقة الضجيج ويتزاحمون تحت أضواء الحدث أياً كان نوعه حتى لو كانت تغريدة تافهة من أي شخص، فهم يعتبرون أنفسهم أصحاب حق بالخطب العصماء أو الناقدة أو الساخرة، فلم يعد هناك أفكار جديدة أو إبداعات جديدة أو حلول منطقية للأزمات، بل غالبيتها انتقادات وتشهير وتعليق ساخر في عالم تسوده الظواهر المتغيرة البعيدة عن القيم الأخلاقية والجوهر الإنساني والدافع القيمي.
فما يحدث اليوم هو أننا نعيش زخماً هائلاً من ثقافة الظواهر ذات الفروع المتشتتة، فيضيع غالبية وقتنا في متابعة ظواهر كثيرة لسبب واحد لا يسوى أن نضيع عليه الوقت الثمين، خاصة أن هناك الترفيه الاجتماعي أو الاستعراضات اللغوية أو الأفلام المفبركة بعيداً عن الثقافة الأصلية، حتى أصبحت هناك ألعاب تؤدي الى الانتحار، ومخدرات رقمية، وانحرافات فكرية، والدعوة الى الانضمام الى تنظيمات إرهابية، من دون أي رقابة، ومن دون أن يمتلك الشخص أي نقاط مرجعية للتأكد من صحة كل ما يكتب أو صحة الأشخاص المترئسين.
فلقد تحول الغالبية الى كائن حضاري مهجن لا يعرف إلا مكان نومه ومقعد عمله شارد الذهن وسارحا في عالم لا يعرف الى أين سيقوده، وهو مقابل ذلك يدفع المال الكثير في سبيل أن يبقى على تواصل مع الآخرين، كل ذلك على حساب معيشته وطعامه وشرابه ووقته وعمله وإنتاجه، حتى نقاشهم أينما كان بدأ يأخذ طابعاً آخر بعيداً عن الثقافة الصحيحة، فهو يتحدث في ظواهر ليس لها مرجعية صحيحة ويعيش في عالم لا يعرف أصله من فصله ولا يعيش بواقعه الحقيقي ولم تعد هناك إرادة لدى الغالبية لتحجيم الإدمان على هذا العالم الافتراضي.
وكلنا يعلم أن الإرادة هي قوة نفسية واعية تدفع الإنسان الى تحقيق منجز ما يطمح بالوصول اليه؛ أي أنها الطاقة التي تخرج الفعل من مجال الخيال والتمني الى أرض الواقع. وإن الإرادة التي في داخلنا هي من مظاهر الوجود واستمرار لها، وهي الأداة التي أوجدها الله عز وجل من أجل حفظ كينونة الكائن الحي ولتكون سلاح الإنسان في مسيرته لتحقيق ذاته وإعمار هذا الوطن، عندما ندرب أنفسنا على فنون التحكم بها وتوجيهها، حسب ما يوافق العقل وحسب احتياجاتنا ومتطلباتنا.
فالإنسان مزود بمجموعة من الغرائز الشعورية كالحب والكراهية والخوف والشجاعة، وهي حاجات أساسية لا بد من إشباعها، والإرادة تقوم باستقبال هذه الأحاسيس لتكون الاستجابة لنداء الرغبات وليس كل ما يطرق باب الإرادة صحيح أو يدعو الى السلام مع الذات.
فالخضوع المطلق سيؤدي الى انحرافات نفسية تؤدي به الى الحضيض الغريزي، وعلى الإنسان أن يخضع إرادته الى سلطة العقل المتزن ويلبي حاجاته العملية والصحيحة والمنتجة على أن يضيع وقته وفكره بما هو مضر بذاته وعلى حساب وقته وقوته بأفكار سلبية.
فيجب أن تكون هناك إرادة واعية بالشخص لتحقيق ذاته ووجوده على المستوى الفردي أو الجماعي، وأن نبقى في تحدٍ دائم ومستمر لإثبات ذاتنا ووجودنا من صدق أفكارنا ومدى إيماننا وإدراكنا وثقتنا بما نحمله في داخلنا من قدرات وطاقات وخبرات وإمكانات حقيقية.
فهل نضيعها في عالم افتراضي؟ بل علينا أن نتمرد عليه من أجل وجود أفضل وأرقى وأكثر قرباً من مفهوم الحق والواقع بعيداً عن الضلال والوهم والوهن وألا يعبث بأفكارنا أشخاص لا نعرف أصولهم وغاياتهم وأهدافهم.

التعليق