"بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم"

تم نشره في الخميس 19 نيسان / أبريل 2018. 11:00 مـساءً

د. محمد المجالي

عجيبة هي الآيات المادحة للقرآن في علاقتها بالسور التي جاءت فيها؛ إذ هناك علاقة وطيدة بين معناها واسم السورة وموضوعها الرئيس، فقد مدح الله كتابه عموما، ولكن ثمة آيات جامعة فيها مدح خاص، يتلاءم معناها بشكل دقيق مع السورة التي جاءت فيها.
أقول هذا وقد عشت خلال الشهر الماضي مع ثلاث مسابقات لحفظ القرآن الكريم؛ المسابقة الدولية للإناث التي أجرتها وزارة الأوقاف، والمسابقة المحلية العامة التي أجرتها جمعية المحافظة على القرآن الكريم، والمسابقة الدولية التي أجرتها الكويت، ويوجد غيرها مما يتزامن مع شهر رمضان، كالمسابقة الهاشمية في الأردن، وجائزة دبي، وغيرها في أماكن كثيرة في العالم.
من الآيات التي تمدح حافظ القرآن أو جزء منه، هي قوله تعالى: "بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم، وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون"، إضافة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب"، فالمسلم حريص على أن يزين نفسه بشيء من كتاب الله يسكن قلبه وعقله، هذا الكتاب الروح والنور والهدى والفرقان والشفاء والبركة والرحمة والشرف العظيم لصاحبه، فكيف بمن جمعه كله في صدره! وكيف بمن كان مصحفا يمشي على الأرض، متخلقا بأخلاق القرآن، كما كان نبينا الكريم خلُقه القرآن.
وأعود لنقطة البداية، فهذه الآية جاءت في سورة العنكبوت، وموضوعها الرئيس هو الفتن التي تحيط بالإنسان وتنسج حوله كما هو بيت العنكبوت، فتن مصدرها الرئيس موضوع الآية نفسها التي تتحدث عن بيت العنكبوت: "مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون". هؤلاء الذين يوالون غير الله ورسوله والمؤمنين، يثقون بهم، ويستنصرونهم، ويحبونهم أكثر من الله ورسوله والمؤمنين، هؤلاء الأولياء هم أوهن وأهون من بيت العنكبوت، فعجبا لقوم يتركون مصدر القوة الحقيقية، ويلجؤون إلى من هم دونه!
وكأن بالآيات تقول إن باب الفتن التي تعصف بالمجتمع هو اتخاذ غير الله أولياء، وإن مما يدعّم عرى الولاء الخالص لله وينير بصيرة الإنسان هو هذا القرآن، الذي حين يقرؤه المؤمن ويعيش أحكامه وإرشاداته، بل حين يسكن قلبه ويتفاعل معه فهنا يكون الركون إلى الله، وتكون العصمة التي بها يسلم من الأذى، خاصة الفتن التي تعصف بالناس في كل زمن، وكلنا يخشاها ويتمنى ألا يتأثر سلبا بها.
ولا شك أن الأمر بحاجة إلى مزيد درس وبحث، ولكنها أقرب إلى ظاهرة وجدتها تنطبق على معظم السور التي جاء فيها مدح خاص للقرآن، وأضرب أمثلة، ولعل المقال يتطور إلى بحث علمي لاحقا:
ففي سورة الزخرف نجد قوله تعالى: "فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم، وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تُسألون"، فاسم السورة هو الزخرف، ولا يخفى مدلول الاسم وهذه العلاقة بين الاسم والآية المادحة للقرآن، وكأنها تقول: إياكم وزخرف الحياة الدنيا، فاستمسكوا بالقرآن يعصمكم من زخرفها.
وإذا قرأنا في سورة الإسراء قوله تعالى: "إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم"، نعلم العلاقة بينها وبين معنى الإسراء؛ حيث الحركة والسمو والارتقاء، فوسيلة ذلك هي هذا القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم، وإذا أخذنا الاسم الثاني للسورة (بني إسرائيل)، حيث الحديث عن إفساديْ بني إسرائيل، ومجيء هذه الآية بعد القضاء على إفساديهما، نعلم أن الذين ينهون إفسادي بني إسرائيل هم أهل القرآن الذين اهتدوا بهديه وعاشوا معه وتدبروا معانيه.
والشيء نفسه يقال مع قوله تعالى: "وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا، ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا، وإنك لتهدي من تشاء إلى صراط مستقيم..."، حيث سورة الشورى، وهي من اسمها تتطلب حكمة ورجاحة عقل وجلاء بصيرة، والقرآن بروحه وهداه ونوره يؤهّل صاحبه لهذه المنزلة.
والشيء نفسه يقال في حق السور المتحدثة عن أهوال القيامة كالواقعة والحاقة؛ حيث يأتي قوله تعالى: "إنه لقرآن كريم"، وهكذا.
الأمة والمجتمعات والأفراد مدعوون جميعا لمزيد عناية بهذا القرآن، خاصة وأننا مقبلون على شهر القرآن، فالأمر الطبيعي أن يكون المسلم مع كتابه الذي هو وحي ومعجزة باقية، يرفعه الله بسببه، كما قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين"، ونحن أحوج ما نكون إلى هذه العناية في هذه الأيام التي كثرت فيها الشبهات والشهوات والمشتتات، وتكاد الثقافة القرآنية في بعض البيوت تُمحى وتزول، فلنعط القرآن جزءا من وقتنا، فقد أمرنا الله بتلاوته: "وأُمرت أن أكون من المسلمين وأن أتلو القرآن"، وبتدبره: "أفلا يتدبرون القرآن"، وبالعمل به: "وأن احكم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك.."، وقوله: "واتبع ما يوحى إليك"، وصدق الله: "ومن يعتصم بالله فقد هُدِي إلى صراط مستقيم".

التعليق