ألمانيا وإغواء الشعبوية

تم نشره في الجمعة 27 نيسان / أبريل 2018. 12:00 صباحاً
  • هورست سيهوفر، زعيم حزب الاتحاد المسيحي الاجتماعي الألماني - (أرشيفية)

سلاومير سيراكوفسكي*

برلين- لأن الشعبوية ليست أيديولوجية في حد ذاتها، فإن من الممكن وبسهولة أن تجتذب الأحزاب السياسية الرئيسية التي تسعى إلى تدعيم حظوظها الانتخابية المتعثرة. وهناك دائماً سياسيون راغبون بتقليد الشعارات والطرق الشعبوية من أجل الفوز برضا الناخبين، حتى لو أدى ذلك إلى حصول انقسامات في الحزب نفسه الذي ينتمون إليه. وقد تجلى ذلك عند الجمهوريين في الولايات المتحدة، والمحافظين والعمال في المملكة المتحدة، وحزب الجمهوريين الفرنسي تحت القيادة الجديدة للوران فوكييه.
لكن المكان الذي يجسد هذه الظاهرة بشكل يدعو للتشاؤم هو حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي وحزب الاتحاد المسيحي الاجتماعي. وكان الأداء الضعيف لهذين الحزبين في الانتخابات البرلمانية في العام الماضي، مع المكاسب الانتخابية غير المسبوقة التي حققها حزب "البديل من أجل ألمانيا"، قد أدى إلى حدوث تصدعات جديدة ضمن مجموعة الحزب.
كان أداء حزب البديل من أجل ألمانيا قوياً في الولايات الشيوعية السابقة في ألمانيا الشرقية، بالإضافة إلى معقل الاتحاد المسيحي الاجتماعي في بافاريا، والتي ستجري الانتخابات المحلية فيها في تشرين الأول (أكتوبر). وبذلك، أصبح الدفاع عن الجناج اليميني للاتحاد المسيحي الاجتماعي في مواجهة حزب البديل من أجل ألمانيا أكبر مصدر للقلق بالنسبة للاتحاد المسيحي الاجتماعي.
لذلك، قام هورست سيهوفر -زعيم حزب الاتحاد المسيحي الاجتماعي منذ فترة طويلة- بإدخال نبرة شعبوية جديدة إلى الحزب. وقد تنازل عن منصب وزير–رئيس بافاريا لمنافس شعبوي أصغر سناً ويتمتع بالطموح، هو ماركوس سويدر. كما سعى هورست بحكم منصبة كوزير للداخلية في حكومة الائتلاف الكبيرة للمستشارة أنجيلا ميركل إلى تعزيز أوراق اعتماده الشعبوية من خلال إقرار إجراءات من بينها إعادة كلمة هايمات (الوطن) إلى مسمى الوزارة.
لكن سيفهوفر كان دائماً يعطي الانطباع بأنه لا ينتمي إلى المحافظين الألمان. وفي واقع الأمر، كان يُعتبر العراب السياسي لرئيس الوزراء الهنغاري السلطوي فكتور أوربان، الذي يشرف سيفهوفر على زيادة شعبيته.
منذ اليوم الذي أدت فية الحكومة الألمانية الجديدة اليمين الدستورية، كان من الواضح أن تكتيك ميركل الشهير القائم على تحييد الناقدين المحتملين من خلال إشراكهم في طاقمها الوزاري لم يعد فعالاً. وقام سيهوفر على الفور بشن حرب باردة ضمن الائتلاف الحكومي. وصرح بأن "الإسلام لا ينتمي إلى ألمانيا". وكان الغرض من مثل هذه التصريحات هو رسم الخطوط ضمن الحكومة، ووضع نفسه إلى جانب الناخبين المعادين للمهاجرين الذين صوتوا لصالح حزب البديل من أجل ألمانيا في العام الماضي. ولم يكن أمام ميركل -مع كامل الطبقة السياسية الألمانية تقريباً- أي خيار سوى الاعتراض على تصريح سيهوفر. وفي الوقت نفسه، خسر حزب البديل من أجل ألمانيا الأرضية السياسية بسبب انتقاد سيهوفر والاتحاد المسيحي الاجتماعي.
تمسك سيهوفر بنزعته الهجومية، حيث يدلي بتعليقات عامة عن كل شيء تقريباً، وبطريقة لا يترك فيها شيئاً ليضيفه حزب البديل من أجل ألمانيا، بالإضافة إلى تقويض ميركل، من دون مهاجمتها بشكل مباشر.
ولكن، مرة أخرى لا يعد السلوك "الشرق أوروبي" لسيهوفر مفاجئاً تماماً. ففي آذار (مارس) من العام 2017، وعندما كانت ميركل تستعد لاجتماعها الأول مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ذهب سيهوفر إلى موسكو لتملق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ومنذ ذلك الوقت، عارض بشكل مستمر جميع العقوبات على روسيا لأي من الأسباب.
تحدث سيهوفر بحرارة عن حكومة حزب القانون والعدالة البولندي الشعبوي، مع انتقاد الاتحاد الأوروبي بسبب إهاناته المفترضة للكرامة البولندية. كما أنه هنأ أوربان على انتصاره الانتخابي الساحق في وقت سابق من هذا الشهر. وقام زميله في حزب الاتحاد المسيحي الاجتماعي، ألكسندر دوبريندت، وبشكل علني، بالإشارة إلى أوربان على أنه "صديقنا".
تحت ظل قيادة سيهوفر، يحول حزب الاتحاد المسيحي الاجتماعي تركيزه من النزاعات الاقتصادية إلى النزاعات الثقافية. وهذا يتوافق مع التوجة الشعبوي الأشمل في أوروبا، والذي لا يتجسد فقط في هنغاريا وبولندا، وإنما أيضاً في جمهورية التشيك والنمسا وهولندا وإيطاليا، التي تتنافس فيها حركة النجوم الخمسة الشعبوية مع الرابطة اليمينية من أجل قيادة الحكومة المقبلة.
كان من نتائج الصراع المحتدم مع ميركل والمؤسسة السياسية الألمانية أن الحزب الحكومي الآخر؛ الحزب الاشتراكي الديمقراطي، قد اختفى تقريباً عن الساحة. ولكن، سواء كان سيهوفر يدرك ذلك أم لا، فإن حزب البديل من أجل ألمانيا هو المستفيد الطبيعي من أي عثرات حكومية، نظراً لكونه حزب المعارضة الأكبر في البرلمان الألماني.
مع ذلك، وحتى لو فشلت مناورة سيهوفر الشعبوية، فإنه نجح بالفعل في جر الحكومة إلى اليمين. وتعمل ألمانيا بكل وضوح على تخفيف ضغط الاتحاد الاوروبي على بولندا وهنغاريا وغيرها من دول أوروبا الشرقية التي تستهر بسيادة القانون وتقوض التضامن الأوروبي فيما يتعلق بمسائل المهاجرين واللاجئين.
من المرجح كذلك أن تعيق ألمانيا أي إصلاح جوهري لمنطقة اليورو، مما يعني تضييع الفرصة التي قدمها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وبالنسبة لهذه النقطة، ذكر كاتب العمود في صحيفة فايننشال تايمز، ولفغانغ مونتشاو، أن أفضل سيناريو قد يكون نشوب أزمة اقتصادية أخرى في منطقة اليورو. والسبب بكل بساطة هو جعل ألمانيا تتعامل أخيراً بمنطقية.
إن سيهوفر هو أمر سيئ بالنسبة لألمانيا التي تحتاج وبشدة إلى الدينامية والانفتاح والشجاعة أكثر من أي بلد أوروبي آخر. وتشكل القدرة العسكرية الألمانية المحدودة، وقطاع الخدمات الذي يعاني من التنظيم الزائد على الحد، ونقص الاستثمار في البنية التحتية، كلها عوامل توحي بأن ألمانيا تتخلف عن أوروبا الشرقية بحوالي عقد من الزمان فيما يتعلق ببعض مقاييس التنمية الرئيسية، حتى لو أنها تمثل القوة الاقتصادية الأهم في أوروبا.
في دول أوروبا الشرقية، يمكن للمرء أن يدفع عن طريق بطاقة الائتمان في أي سوق شعبي، بينما يستحيل في ألمانيا عمل ذلك حتى في أفضل المطاعم في كثير من الأحيان. كما أن ألمانيا تحتل المرتبة 42 في العالم من حيث سرعة الإنترنت، علماً بأن البنية التحتية المتعلقة بشبكة الإنترنت تبقى مخجلة حتى مقارنة بأوكرانيا. وبالنسبة لبلد استثمر مبالغ طائلة في أوروبا الشرقية، فإن التخلف الألماني النسبي في تلك المجالات مذهل.
لن تعزز حقيقة كون سيهوفر يميل إلى الشعبوية بالضرورة ما وصفة دوبريندت بالثورة المحافظة الأوروبية، ولكنها تعني أن الثورة غير الليبرالية لأوربان وزعيم حزب القانون والعدالة ياروسلاف كازينسكي تكسب زخماً.

*مؤسس حركة Krytyka Polityczna، مدير معهد الدراسات المتقدمة في وارسو، وزميل في أكاديمية روبرت بوش في برلين.

التعليق