فريهان سطعان الحسن

على هامش المخيم!

تم نشره في الاثنين 30 نيسان / أبريل 2018. 12:02 صباحاً

من بين شقوق خيام عشوائية تحيطها الرمال؛ تتسرب قصص تحكي خسارات مريرة اختبرها راحلون عن أوطانهم مجبرين، اتجهوا نحو حياة مجهولة يحيطها مستقبل ضبابي لا يشي ببارقة أمل، وهم يدخلون عتمة اللجوء على أمل أن تتبدد قسوته ويأتي يوم تنفرج فيه الأحوال ويعود الوطن ببيوته وذكرياته وأحلامه الصغيرة والكبيرة.
من وراء نوافذ وأبواب اللجوء في مخيمات عشوائية في قرية الزعتري التي تبعد أمتارا قليلة عن المخيم الرئيسي، تطل أمهات يرقبن كل قادم، أما الأطفال ففي عيونهم ألفة للمكان وغربة لوجوه جديدة تدخل مناطقهم.
في الأراضي التي تحيط الخيام الكثيرة، ينتشر صغار يلعبون ويركضون بمساحات واسعة، وهم الذين اختبروا أولى صرخات الحياة على أرض جديدة غير أرض آبائهم الذين اختبروا مأساة الحروب والهروب من الموت الذي كان يلاحق كل شيء.
هناك، امرأة طاعنة بالسن، تجاعيد وجهها تختصر كلاما كثيرا، وقلة الحيلة تحاول أن ترسم ابتسامة "كاذبة" على وجهها، فيغلبها القهر والوجع بكل عذاباته. وامرأة أخرى تحمل طفلتها الرضيعة، وقد تركت أحلامها في وطن كان جميلا، وفي بيت رسم ذكرياتها وتفاصيلها بنكهة الفرح. أما تلك الطفلة فقد تركت صديقاتها وألعابا كثيرة في غرفة بعيدة، لتجد نفسها تكبر في خيمة لجوء صغيرة لا تتسع لأمنياتها.
رأيت عددا منهم حينما زرت تلك المخيمات العشوائية قبل أيام، وشاهدت عن قرب أوضاع لاجئين ومآسي حياة يعيشونها رغم مرور سنوات على تفجر الأزمة السورية، محاولين بشتى الطرق التأقلم على حياة صعبة بكل ما فيها.
خيام متناثرة في كل مكان، فيها عائلات كبيرة تقطن خياما منصوبة على أراض يمتلكها أردنيون وأصحاب أياد بيضاء، سمحوا للاجئين بالبقاء بها تقديرا لأوضاعهم الإنسانية، لكنهم يعانون من مشاكل عديدة مع تدني الخدمات الصحية، وافتقارهم للحاجات الأساسية، وبسبب الحياة القاسية التي يختبرونها.
ظروف صعبة وقاسية يعيشها سوريون في المخيمات العشوائية، لكنهم يصرون على البقاء بالخيام بعيدا عن مخيم الزعتري، ربما لأسباب تتعلق بحرية التنقل والعمل والسكن وتوفر فرص عمل يتقاسمونها مع أهالي البلدة التي تهالكت جراء انتشار الخيام العشوائية، وازدياد الضغط بالمكان مع تضاعف سكانها بنسبة 100 %.
المخيمات العشوائية المتناثرة تحصل على الدعم من بعض المنظمات والجمعيات الإنسانية والإغاثية، من خلال توزيع المساعدات الغذائية والملابس والحاجيات، لكن بشكل متقطع وليس دائما، لذلك يختبرون العوز بكثير من الأحيان.
لاجئون يشعرون بالرضا، استطاعوا التأقلم مع المكان، وقد أصبحت لهم حياتهم الخاصة، لا يفكرون بالعودة الى بلادهم، كونوا أسرتهم الصغيرة، يعملون بمهن عدة، وأغلبهم يعمل في المزارع المحيطة؛ إذ يحصدون ما يسد احتياجاتهم اليومية، ويتنقلون بسهولة بعيدا عن قوانين مخيم الزعتري الواسع الذي يحدد خطواتهم، لذلك يفضلون البقاء خارج أسواره.
ولكن أعدادا كبيرة ممن يعيشون في تلك المخيمات، يتمنون اللحظة التي تعود بها سورية كما كانت، تخلو من مشاهد القتل وأوجاع الحروب وأصوات المدافع والقصف، علهم يستعيدون بيوتهم وحياتهم السابقة وذكرياتهم تنتظرهم هناك بعيدا عن عذابات اللجوء.
بين ماض وحاضر ومستقبل، قصص كثيرة لا تنتهي للاجئين، لملموا كل شيء بحثا عن النجاة داخل خيمات اللجوء. لا يريدون شيئا سوى ذاكرة خالية من الصور الموجعة، في مكان أكثر أمانا وسلاما.
هم يريدون الحياة فقط.. والقليل من الإنسانية!

التعليق