نحو علاقة جديدة بين المعلم والمتعلم والمدرسة والمجتمع تحفظ بهاءنا

تم نشره في الأربعاء 2 أيار / مايو 2018. 12:00 صباحاً

العين هيفاء نجار*

لا يختلف اثنان على أن التعليم في الأردن بحاجة ماسة إلى الإصلاح، وتعالت الأصوات وما تزال تتعالى من أجل تحسين التعليم والقضاء على نقاط الخلل في العملية التربوية، وهذا مؤشر على اهتمام الجميع بتطوير العملية التعلمية في وطننا، وهو في الوقت نفسه مظهر صحي من مظاهر المجتمعات الحية، التي تجابه المشكلات لا أن تنحني أمامها. ولذا على جميع الغيارى على التعليم أن يتحاوروا من أجل ترميم نقاط الضعف في التعليم، للوصول إلى تعليم نوعي متميز ينهض بالإنسان الأردني رأسمال الأردن الأول.
التعليم في الأردن ليس ترفاً إنما هو رافعة النهضة في الأردن، إنه الإسهام الحقيقي والفاعل في تقدم الأردن ونمائه، ولا عجب أن الدول المتقدمة تولي التعليم جل اهتمامها، ولا غرابة أن نهضة اليابان بعد كبوتها في الحرب العالمية الثانية بدأت من التعليم وتغيير مناهجه والنظرة تجاهه. ونحن في الأردن أول الشعوب بالاهتمام بالعلم، لأنه هو الذي سيعوضنا عن قلة إمكانياتنا الطبيعية. فنحن نملك عقولاً خصبة قادرة على التغيير، وهذه العقول لا بد لها من تعلم يستفز خصوبتها ويحرض خيالها من أجل الإبداع.
ومن أجل تعليم نوعي لا بد من معلم قائد بطل يكرس المبادئ والقيم الإنسانية النبيلة ويصون الهوية، ويحارب ثقافة الإقصاء والتهميش والفئوية. معلم حانٍ يحب طلابه ويتعاطف معهم وينشر المحبة والفرح أينما حل، معلم يعطي أبناءه من نور عينيه ودفقات قلبه، لأنه يعي أن طالبه اليوم هو المسؤول عن مستقبل الوطن. معلم قدوة ونموذج بالإنسانية والالتزام والانتماء والتعلم المستمر، فالطلبة يتعلمون بالنمذجة، والمعلم بطبعه يشكل نموذجاً لطلبته. معلم يتعايش مع طلبته ويتحسس مشاكلهم ويحرص على تعلمهم حرصه على حياته، فالتعليم هو ما سينقذ هذا الطالب من براثن الفقر وغياهب الجهل، وهو الذي سينقذه من الانجرار وراء دعوات التفتيت والكراهية. معلم يؤمن بطالبه وبقدرته على النجاح مهما طال الدرب، ويعي بأن الإنسان لا يفشل ولكن قد تكون وسيلته  إلى النجاح غير مواتية، ولذا يعمل بدأب نملة بمحبة وتأمل وإصرار على النجاح.
إن الطالب هو مركز العملية التربوية، وكل ما نفعله من أجل هذا الطالب، من أجل نمائه وتطوره، من أجل إنسانيته، لأنه القائد المستقبلي الذي سيشارك في بناء الحضارة، وفي تكوين صورة المستقبل ويحلق في فضاء الأعالي، وهؤلاء الطلبة يمتلكون من المواهب الشيء الكثير، ويحتاجون إلى المعلم القائد الذي يستطيع استنهاض هممهم ويوظف إمكاناتهم من أجل خير هذه الأمة.
فالمدرسة لم تعد صفاً وكتاباً، إنما هي مجال حي يتفاعل فيه الجميع، وهي مركز ثقافي للتنوير والتغيير والبحث للمجتمع بشكل عام، ولطلبتها بشكل خاص، ومشغل فني وحاضنة لكل الإبداعات المختلفة، ومنبر يتحاور من خلاله الطلبة بكل شفافية وجرأة، لكي يسيروا على طرق رسموها بأنفسهم ولم ترسم لهم مسبقاً، وبهذا نبني مواطناً مسؤولاً منتمياً ومنتجاً يخدم مجتمعه بحب وشغف.
إننا أحوج ما نكون إلى مهننة عملية التعليم، وهذه المهننة لا بد لها من إجراءات كي تتكرس على أرض الواقع، وهذا ما يقضي على الخلل الذي تعاني منه العملية التعلمية. لذا علينا تكريس مبدأ المساءلة ورصد الحوافز والمكافآت للمعلمين المتميزين، وتأهيلهم والعمل على تطوير المعلمين وأدواتهم وتحسين وضعهم الاجتماعي، فالمعلمون قادة حقيقيون وبناة فاعلون، وأن نماءهم المهني يعني نماء طلبتهم وتوظيف طاقاتهم نحو الاستقصاء والكشف فيخرّجون قادة جدداً يرسمون بخيوط من نور مستقبل هذه الأمة. ولهذا فإنهم الأولى في توفير كل ما يلزمهم من أجل أن يحلقوا داخل غرفة الصف ويبدعوا كل جديد.
وعلينا أن نعيد للتعليم مكانته وللمعلم هيبته، ولا نخذله، لأن خذلانه يعني وأداً للأمل وقتلاً للطموح، وعلى المعلم نفسه أن يبدع في وسائله وأساليبه وطرائق تعليمه، ولا يجعل من الكتاب المدرسي عائقاً أمام انطلاقه في دروب المعرفة والعلم، وأن يجدد نفسه ومعرفته ولا سيما في زمن ضخ المعلومات وسهولة الحصول عليها. وإذا ما نجحنا في ذلك فإننا حتماً سننجح في نهضة وطننا ونمائه وتقدمه.
المطلوب اليوم أن نعيد تشكيل العلاقة بين المعلم والمدرسة والمجتمع بقطاعاته كافة، بحيث تكون علاقة بناءة أساسها إطلاق طاقات الطلاب والطالبات والشباب والشابات المبدعة الكامنة من أجل أردن مزدهر.

* المديرة العامة لمدرستي الأهلية والمطران

التعليق