مروان المعشر

ثقافة التبرع للتعليم

تم نشره في الثلاثاء 1 أيار / مايو 2018. 11:08 مـساءً

حضرت فعالية في الجامعة الاميركية في بيروت الأسبوع  الماضي لتكريم المتبرعين لصندوق تعليم الطلبة في الجامعة. وبلغ عدد التبرعات الوقفية لهذا الصندوق ستمائة وأربعين  تبلغ كل واحدة منها مئة الف دولار على الاقل وتستخدم عائداتها لتقديم معونات مالية مستدامة لطلاب الجامعة ومساعدتهم على دفع الاقساط الجامعية. 
في الجامعة الاميركية ثقافة تبرع متأصلة وهي اليوم في صدد جمع ستمائة وخمسين مليون دولار ضمن حملة تمتد لأعوام عدة تهدف الى بناء مرافق وبرامج جديدة في الجامعة والتطوير المستمر للتعليم  فيها. من الملفت ان الغالبية العظمى من هذه الاموال تأتي من خريجي الجامعة من ابناء وبنات المنطقة التي منحتهم الجامعة تعليما نوعيا كان له الأثر الكبير في صقل شخصيتهم ونجاحهم فآثروا ان يردوا للجامعة بعض ما وهبتهم ويعمموا الاستفادة من هذا النوع من التعليم وذلك للارتقاء بالمجتمع ككل.
ثقافة التبرع وخاصة للتعليم باتت ضرورية في هذا العصر الذي يشهد افول الدولة الريعية وارتفاع تكاليف التعليم الجيد، وهو ما لا تستطيع الدولة وحدها تغطية احتياجاته. ولكن هذه الثقافة لم تتأصل في المجتمعات العربية كما فعلت في غيرها من المجتمعات الخارجية. 
هناك أسباب عديدة تذكر لتبرير احجام معظم الأغنياء العرب عن التبرع السخي للتعليم، منها ان العرب يفضلون ان  يساعدوا أقرباءهم فقط وليس المجتمع ككل. قد تكون هذه الأسباب صحيحة نسبيا، ولكنها تبقى عاجزة عن تفسير ان الغالبية العظمى من المتبرعين للجامعة الاميركية هم من الأفراد العرب،  كما لا توجد تبرعات كبيرة للحملة الحالية من اي حكومة عربية او اجنبية.  
اذا كان الحال كذلك، فلا بد من وجود دوافع معينة تعظم من ثقافة التبرع للتعليم لدى الميسورين العرب. أزعم  ان الدافع الاول هو نوعية  التعليم،  فاغلب من يتبرع درس في الجامعة واختبر تأثير هذه الدراسة على  حياته ونجاحه ويريد للآخرين الاستفادة من هذه النوعية. ان القدرة على تقديم تعليم جامعي نوعي يعطي للطالب او الطالبة الفضاء المناسب للتفكير الحر وينجح في اكتساب الطلاب المهارات الانسانية والفكرية، وليست التقنية فقط، المناسبة للمنافسة في الحياة، هو ما يشجع الغير على  التبرع. والعكس صحيح. ان كان التعليم الجامعي لا يقدم مثل هذا التعليم النوعي، فمن المفهوم ان يحجم الميسورون عن مثل هذه التبرعات.     
أزعم ايضا ان الدافع  الاخر هو غياب  شفافية الحوكمة والشراكة في اتخاذ القرار لدى اغلب جامعاتنا. الجامعة الاميركية، والتي انا احد أعضاء مجلس أمنائها،  لديها نظم حوكمة واضحة ومجلس أمناء مستقل، اغلبه من ابناء وبنات المنطقة، يتخذ كل القرارات الإدارية والمالية والأكاديمية للجامعة، ضمن منظومة من الحوكمة تبدأ من أسفل السلم وتؤكد على مشاركة الجميع في اتخاذ القرار المناسب. في الجامعة الاميركية في بيروت، والتي هي مؤسسة غير ربحية، لا يتغير الرئيس الا بقرار من مجلس الأمناء، وليس  بقرار اداري من الوزير، كما ان اي تعيين لاي منصب كبير في الجامعة لا يتم الا بعد عملية بحث مستفيضة وشفافة. كل ذلك يطمئن المتبرع ان امواله يتم صرفها بالوجه الصحيح وضمن نظام حوكمة شفاف وتؤدي بالتالي الى النتائج التي تبرع من اجلها.
نستطيع تعلم الكثير من نوعية التعليم والحوكمة في الجامعة الاميركية في بيروت، وهي التي خرجت تسعة رؤساء وزارات اردنيين، حتى يصبح التبرع من المجتمع المدني للجامعات الاردنية اكبر بكثير مما هو عليه، وحتى نرتقي بجامعاتنا لتحقيق حوكمة رشيدة تحد من تدخل الحكومات والسياسة في العمل الأكاديمي وتربية الأجيال.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ثقافات مفقودة (الفرد عصفور)

    الأربعاء 2 أيار / مايو 2018.
    يفتقد في مجتمعنا مجموعة ثقافات اهمها: ثقافة التبرع، ثقافة التطوع، ثقافة الاعتذار، ثقافة احترام القانون، وثقافة القراءة.