زياد فريز..‘‘محافظ‘‘ في زمن الثورات والغضب

تم نشره في السبت 5 أيار / مايو 2018. 11:00 مـساءً

يوسف محمد ضمرة

عمان- في أوج الربيع العربي العاصف، وذروة الثورات والغضب والتغيير، تولى الدكتور زياد فريز مهمة "محافظ" البنك المركزي للمرة الثانية في حياته المديدة.
لم تكن المهمة سهلة، هذه المرة، ولم يكن الوصول إلى درب النجاة متاحا في محيط يمور بالمفاجآت والدمار وعدم الاستقرار.
لكن فريز كان من خامة الاقتصاديين الخبراء الذين اتكأت عليهم البلاد، مع آخرين، فنهدوا بحماية استقرارها ودينارها.
فعندما كانت تقلبات الأسواق سمة المشهد، وكانت الدول المتقدمة، وعلى رأسها الولايات المتحدة يعمل بنكها الفدرالي على سياسات توسعية بتخفيض أسعار الفائدة كإحدى أهم الأدوات لتحفيز النقد، كان محافظ البنك المركزي الجديد (آنذاك) يقرأ الأمور بعمق، وربما عكس التيار، فمضى في سياسات انكماشية نحو رفع سعر الفائدة لتعزيز جاذبية الدينار، وابتكر أدوات جديدة عززت جاذبية الدينار لم تكن معهودة من قبل لتسهم في النهاية في أن يكون الدينار بمأمن عما يجري من احداث حوله، لتقفز الاحتياطيات حينها، نتيجية تلك السياسات، من مستويات حرجة كانت تقارب الـ 6 مليار دولار إلى 13 مليار دولار، ليتحول حينها إلى سياسات توسعية عبر سلسلة من التخفيضات لأسعار الفائدة في السوق المحلية، حتى أنه تجاهل توصيات من صندوق النقد الدولي في هذا الشأن في البرنامج الاول وأثبت لهم دقة وصوابية الإجراءات التي نفذت حينها.
وصدرت الارادة الملكية السامية بتعيين الدكتور فريز محافظا في الشهر الأول من العام 2012، ومن ثم تم التجديد له لـ 5 أعوام في العام 2016 بموجب قرار مجلس الوزراء برئاسة رئيس الوزراء الدكتور هاني الملقي، علما بأنه سبق أن تولى رئاسة البنك المركزي الاردني مع بداية 1996 ، واستمر في هذا المنصب حتى العام 2000.
وعمل فريز منذ توليه إدارة البنك المركزي الأردني على تطوير نظام المدفوعات وأحدث الأساليب المالية الإلكترونية عبر تهيئة البيئة المناسبة لذلك للولوج بالاقتصاد الوطني لمرحلة متقدمة، بالإضافة لتنفيذه دورا غير تقليدي في إدارة البنك المركزي إلى جانب الهدف الأسمى وهو الحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي.
ورغم فائض الحكمة والعمق الذي يتمتع به فريز، إلا أنه رجل إنفعالي وحاد حتى مع أصدقائه، حيث يغضبه أي موقف يتعلق بالمال العام، وكفاءة الانفاق، أو عندما يتخذ البعض مواقف لا تتناسب مع الأسس المهنية، لكنه بنظر الكثيرين، فإن زياد فريز إنسان، بل يفيض إنسانية، كما أن فريز يتميز بشغفه في معرفة التفاصيل، وولعه بالتحليل.
ولا ينسى زياد فريز رفيقة دربه (أم محمد)، التي يحفظ لها الفضل في مسيرة حياته ونجاحاته التي مرت بعقبات ومنعطفات، وكان يمر بينها كما يمر بين حبات المطر حتى لا يبتل، فقد ساعدته أم محمد في إدارة ملفه منذ الصباح مع فنجان القهوة وقراءته للصحف، علما بأنه والد لأربعة أبناء هم محمد وأحمد ومها ولانا.
مسيرة فريز، الذي ولد في السلط في العام 1943، مسيرة حافلة، على مدار 5 عقود، تراوحت بين القطاع العام والخاص الا أنها تميل أكثر للعمل في المناصب الحكومية فقد تولى منصب أمين عام وزارة التخطيط بالفترة 1984-1989 ومن ثم وزيرا للتخطيط ومن ثم وزيرا للصناعة والتجارة في الفترة1991-1993.
وقبل ذلك كانت بدايات فريز في البنك المركزي الأردني التي شق طريقه اليه في العام 1966 كباحث اقتصادي في قسم التجارة الخارجية في دائرة الابحاث، وبعد أن حصل على شهادة الدكتوراة في العام 1978 بالاقتصاد من جامعة كيل ببريطانيا وبكالوريوس في الاقتصاد من جامعة بغداد بالعراق عمل فريز مستشارا اقتصاديا ثم مديرا تنفيذيا لدائرتي الأبحاث والعمليات الخارجية في البنك المركزي.
وشغل فريز منصب نائب رئيس الوزراء ووزير المالية خلال الفترة 2005-2007 في حكومة رئيس الوزراء الأسبق معروف البخيت وكان له موقف ورؤية واضحة نحو دعم المواطن بدلا من السلعة وتعزيز الاعتمادية والحيلولة دون تفاقم عجز المالية العامة وبلوغها مستويات تنذر بأزمات وأصر على تلك الرؤية حتى قبل أن تكون المؤسسات الدولية تتحدث في تلك التوجهات، وربما لم تعجب رؤيته آخرين، ما دعاه للاستقالة والانسحاب بهدوء.
فريز شهد غالبية برامج الاصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي وكان من المهندسين الرئيسين لبرنامج الاستعداد الائتماني الذي بدأ (2012-2015)، وكذلك البرنامج المنفذ حاليا والذي يعرف بـ "التسهيل الممدد" والذي سيمتد حتى 2019.
وسبق وأن استلم الدكتور فريز في العام 2016، جائزة "أفضل محافظي البنوك المركزية" الى جانب عدد من المحافظين للبنوك المركزية في العالم من مجلة "غلوبال فاينانس غرايدز.
وبموجب ذلك التصنيف فإن الدكتور فريز تم تصنيفه الى جانب رئيسة الفدرالي الأميركي حينها جانيت يلين والمكسيك والمغرب.
في نهاية الأسبوع الماضي، منحت الجامعة الأردنية الدكتور زياد فريز، درجة الدكتوراة الفخرية في الاقتصاد، واضافت له الجامعة الأم لقبا يضاف إلى ألقاب عدة جمعها الرجل في مسيرته الحافلة، التي خدم بها وطنه ووظيفته.
وفي لحظة التكريم لم يتخل فريز عن قناعاته الوطنية؛ حيث قال أن" الخيار الوحيد في هذه المرحلة الاقتصادية هو الاستمرار في نهج الاصلاح الاقتصادي الذي يعزز الاعتماد على الذات ويوسع نطاق التنمية لتشمل كل انحاء المملكة، ويعزز شبكة الأمان الاجتماعي لحماية الفقراء والأقل حظا من تبعات الاصلاح الاقتصادي".

التعليق