روسيا وفرصة كأس العالم

تم نشره في الأربعاء 9 أيار / مايو 2018. 12:00 صباحاً

كونستانتين سونين*

موسكو - من الصعب أن نتخيل أي عنوان رئيسي إيجابي هذا العام يتضمن كلمة "روسيا" أو مصطلح "التأثير العالمي". ويبدو أن وسائل الإعلام الإخبارية الدولية تتنافس على تقديم التغطية الأشد ترويعاً لروسيا في عهد الرئيس فلاديمير بوتن. ومع ذلك، وفي غضون شهرين فقط، عندما تستضيف روسيا كأس العالَم لكرة القدم -الحدث الرياضي الأكثر مشاهدة في العالم- فإنها ستقدم مساهمة إيجابية على الساحة الدولية.
سوف يستعرض بعض المراقبين كأس العالم في العام 2018 من منظور الجهود التي يبذلها بوتن لإظهار "القوة الناعمة"، وباعتبارها مناسبة للمسؤولين الروس الفاسدين لتعظيم ثرواتهم. لكن هذا التفسير عفوي وغير مدروس. وفي واقع الأمر، ربما يستفيد الكرملين بشكل أكبر من إخراج حدث جيد التنظيم. ومع بيع ما يقرب من مليوني تذكرة مسبقا، أصبحت بطولة كأس العالم للعام 2018 على المسار الصحيح لتحقيق نجاح عظيم.
يريد الأشخاص الذين يشترون التذاكر أن يكونوا جزءا من مهرجان دولي يتنافس فيه أفضل لاعبي كرة القدم في العالم. ولا يرغب أي منهم في تقديم بيان سياسي. وعلى نحو مماثل، لم يكن استغلال الكرملين لبطولة كأس العالَم لأغراض الدعاية أكثر من استغلال أي دولة مستضيفة أخرى لها. وسواء كانت ألمانيا، أو جنوب أفريقيا، أو البرازيل، فقد استغلت جميع هذه الدول المناسبة لتلميع سمعتها في الضيافة والانفتاح.
بالإضافة إلى ذلك، نشر الاتحاد الدولي لكرة القدم في حزيران (يونيو) 2017 تقريرا كاملا من التحقيق الذي أجراه النائب العام الأميركي السابق مايكل جيه. غارسيا في العام 2014 في عملية تقديم العطاءات لاستضافة بطولة كأس العالم للعامين 2018 و2022. وقد أظهر تقرير غارسيا أن روسيا راغبة بشدة في استضافة الحدث، وأن بوتن وجه نداءات شخصية لمسؤولي التصويت من دول أخرى؛ لكن التقرير لم يتوصل إلى أي دليل على تواطؤ، أو رشوة، أو أي انتهاكات أخرى للقواعد. وفي وقت حيث تهيمن الأنباء حول الفساد الداخلي في روسيا وانتهاكها للقواعد الدولية على العناوين الرئيسية، فمن المفهوم أن يكون لهذه النتيجة وقع المفاجأة.
من المؤكد أن المشاريع التي تمولها الحكومة في روسيا ملتوية وغير مستقيمة، كما حامت ادعاءات الفساد حول الاستعدادات لدورة الألعاب الأوليمبية للعام 2014 في سوتشي. ولكن، في حالة البنية الأساسية لبطولة كأس العالَم، من غير المرجح أن تكون وقائع احتيال وسرقة وكسب غير مشروع قد حدثت على نطاق واسع. ذلك أن مشاريع ترقية وتحسين المطارات، وشبكات النقل، والخدمات السياحية في المدن المضيفة لا بد أن تلبي معايير دولية.
ينطبق الأمر نفسه على بناء الملاعب، والذي كان خاضعاً أيضاً لتدقيق عام مكثف. وكانت عطاءات كل المشاريع تجري من خلال عملية اختيار تنافسية، وكانت التكاليف النهائية مماثلة لمشاريع بناء أي إستاد في أماكن أخرى من أوروبا.
في كل الأحوال، يجدر بنا أن نتذكر أن روسيا استضافت مسبقاً بطولة كأس القارات العام الماضي، والتي جمعت بين حامل كأس العالم الحالي، والدولة المضيفة، والأبطال الستة الحاليين على المستوى الإقليمي. وعلى سبيل الإحماء للحدث الرئيسي هذا العام، كانت بطولة كأس القارات ناجحة في ما يتصل بالخدمات اللوجستية وإرضاء المشجعين.
لن نبالغ مهما قلنا في وصف التأثير الاجتماعي الذي قد تخلفه بطولة كأس العالَم داخل روسيا. فكل من يشهد مثل هذا الحدث الرياضي الدولي من الفتيات والصبية يتعلم كيف يقدر التنوع ويتجنب التمييز. ومن المنشورات والملصقات إلى مراسم الافتتاح، سوف يشاهدون شابات وشبان من مجموعة من الدول المختلفة وهم يشاركون جنباً إلى جنب في إشارة إلى أهمية المساواة بين الجنسين. وفي الاحتفالات المحيطة بالكأس، سوف يحظى مجتمع المثليين الذي يواجه اضطهاداً ممنهجا في روسيا، بفرصة آمنة للمشاركة في الحياة المدنية والاجتماعية.
بالإضافة إلى ذلك، وعندما يتعلق الأمر بسكان المدن الروسية الإقليمية حيث ستجري أغلب المباريات، ستكون تجربة استضافة عشرات الآلاف من المشجعين من دول أخرى مبهرة وكاشفة كما كانت الفترة التي تلت سقوط الستار الحديدي مباشرة. وعندما حضرت إحدى مباريات كأس القارات في كازان في حزيران (يونيو) الماضي، كان الحكم ومراقبا الخطوط من المملكة العربية السعودية، وكان مسؤول آخر من إيران، وآخر من الولايات المتحدة. والواقع أن مثل هذا المشهد يقدم لأولئك الذين ينظرون إلى العالَم عبر عدسة جيوسياسية تظهره وكأنه مباراة محصلتها صِفر تصحيحاً قوياً قوامه التعاون والزمالة.
تشير تقديرات الاتحاد الدولي لكرة القدم إلى أن نحو 250 مليون شخص في أكثر من 220 دولة يمارسون لعبة كرة القدم. وتقدر القاعدة الجماهيرية لهذه اللعبة في مختلف أنحاء العالم بما يتجاوز 1.3 مليار شخص. وقد لا يحلم أغلب مواطني دول العالَم حتى برؤية فريقهم الوطني يفوز بكأس العالَم؛ لكنهم برغم ذلك يتابعون كل ثانية من المباريات التي يشارك فيها فريقهم الوطني. فعلى النقيض من الدوريات المحترفة، حيث يميل أداء أي فريق إلى التعبير عن الموارد المالية المتاحة له، تقدم كرة القدم على المستوى الوطني فرصة عادلة حتى لأصغر الدول. ولهذا السبب فازت دولة أوروغواي الصغيرة بالبطولة مرتين، وتفاخر هولندا بفوزها بالمركز الثاني ثلاث مرات.
أثبتت الأبحاث الأكاديمية أن الأحداث الرياضية الكبرى مثل بطولة كأس العالَم لكرة القدم والألعاب الأولمبية تحقق فوائد اقتصادية مباشرة قليلة للدول المضيفة. لكن نفس الأبحاث وجدت أن الناس الذين يعيشون في تلك الدول يشهدون على نحو ثابت زيادة كبيرة في مستويات السعادة أثناء وبعد الأحداث.
وقد عاينت هذا بنفسي في كازان في حزيران (يونيو) الماضي، عندما لعبت روسيا أمام المكسيك في الجولة المؤهلة لنصف نهائي بطولة كأس القارات. وقد خسرت روسيا بعد ارتكاب حارس مرماها لخطأ ساذج وطرد أفضل لاعبيها بعد أن ضرب أحد لاعبي الفريق المنافس. ومع ذلك، كان الإستاد جميلاً، وكان الحدث جيد التنظيم، واستمتع 40 ألف مشجع بأمسية رائعة.
من الصعب أن نصدق أن فريق روسيا الوطني قد يفوز بكأس العالَم في تموز (يوليو). لكن هناك كل الأسباب التي تجعلنا نعتقد بأن روسيا ستكون مضيفاً ممتازاً لهذا الحدث العالمي المهم الجامع.

*أستاذ في كلية هاريس للسياسة العامة بجامعة شيكاغو، وأستاذ مساعد في المدرسة العليا للاقتصاد في موسكو.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق