إبراهيم غرايبة

من اليقين إلى السلام

تم نشره في الأربعاء 9 أيار / مايو 2018. 11:06 مـساءً


وجدت أني بعد أربعين سنة أمضيتها باحثا عن الصواب أعود إلى اللحظة التي أدخلتني المتاهة، لكني وجدت أن السلام الذي كنت أبحث عنه بحرقة هو في السؤال وعدم اليقين وليس في الإجابة! ولا بأس بها من خسارة كبرى إن كنت وصلت إلى السلام، ليست رحلة سهلة أن تمضي أربعين عاما في التيه والخسارة، لكن السلام ينسيك كل ذلك الألم، ويكفيك أنك نجوت!
السؤال الأزلي الذي نمر به جميعا عن المعنى والجدوى في الحياة وعن الموت والحياة بعد الموت، والدين والفلسفة والعلم وما يمكن أن يرشدنا في هذه الطريق بما هي الحياة، أن تكون في الطريق الصحيح أن تجد المعنى والارتقاء، وأن تكون مثل أولئك الذين تقرأ عنهم في التاريخ وأضافوا إلى أنفسهم وإلى العالم ما يجعل الحياة أفضل، ويحميك من الفناء والنسيان. كانت قصص الصحابة والأبطال أكثر ما يراودنا بسبب ما نقرؤه في الكتب وما يرويه الأساتذة في حصص الدين والتاريخ واللغة والعلوم، وفي أحيان يشجعونك على أن تكون واحدا من هؤلاء.
لكن تظل أسئلتك الذاتية، أن تكون حرا، وأن تواجه الخطأ الذي تعتقده في ذاتك وحولك أو أن تنعتق من وطأته، وفي ذلك فإن الدين يمنحك ذلك الانعتاق، وخاصة أولئك المتصوفة الكبار الرائعين في قدرتهم على الارتقاء بذاتهم، لقد لجأت إلى الدين والتدين بحثا عن الحرية والانعتاق، وشاركت في توق ولهفة مع الإخوان المسلمين لأجل أن أكون واحدا من هؤلاء الذين تمثلوا الارتقاء بالذات في تدينهم العميق والجميل، .. كنت أظن أن الإخوان هم السفينة التي تمضي بنا إلى الارتقاء وفهم الدين وتطبيقه أجمل ما يكون.
لكني وجدت نفسي أمضي في مسار أكثر سهولة ومتعة، وإن لم يكن له صلة بالسؤال الحقيقي، .. هكذا مضيت أدور حول نفسي، ربما كنت في ملاحقتي الدائبة النبيلة للسراب أجد الكثير من النتائج والإنجازات واللهو والتسلية، ولكني فقدت السراب أيضا، يجب أن تظل ظمآنا حتى تلاحق السراب، وعندما تجد بأنك لست ظمآنا تدخل في مسار آخر مليء بالخواء والأوهام، ربما تكون صحيح العقل ومتفائلا ومنسجما مع البيئة المحيطة بك، ولكن بفقدانك لهذا القلق الجميل تفقد الدليل أيضا، ثم تجد أنك تدير نفسك بقناعات زائفة من اليقين والطمأنينة والسعادة، وهنا أيضا تكون خطورة التدين عندما يصرفك عن الحرية.
وجدت في الإخوان المسلمين طريقا للنضال والعدالة الاجتماعية، سيد قطب جر جيلا من الباحثين عن العدالة الاجتماعية إلى الإخوان المسلمين، لكنه وفي سرعة تحوله ساقهم بلغته الرائعة وقدراته العظيمة في الفكر والتأثير إلى حالة غيبية من استعلاء الإيمان وحتمية العدالة والتقدم تلقائيا بمجرد تطبيق الإسلام، وبعد أن علمنا أن نبحث عن العدالة الاجتماعية علمنا أن هذا البحث هو مثل استنبات البذور في الهواء، وأنه قبل تحكيم الإسلام وتطبيقه لا مجال لعمل أو فكر يبحث عن حلول وأفكار تحمل الإسلام مسؤولية أخطاء الأنظمة الجاهلية وتطبيقاتها، صار للمرة الأولى مفهوم جديد للجاهلية، إنها ما ليس حكم الله، فالناس بين خيارين؛ حكم الجاهلية أو حكم الله "أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون".
وتكتشف بعد فوات الأوان أنك أخطأت في اختلافك عن الآخرين ومعهم، وإن كنت تواصل اعتقادك بصواب فكرتك وموقفك، ولكنه اكتشاف متأخر لا يمكن إصلاحه، فعندما تحاول أن تنتمي إلى المجموع لا تجد لك مكانا، فلا أنت مستمتع بما أنت عليه ولا أنت قادر على ألا تكون غير ذلك!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أبدعت (أستاذ جامعي)

    الخميس 10 أيار / مايو 2018.
    وصف دقيق لما أمر به أيضا ...