نضال منصور

مشروع قانون الضريبة والعدالة الغائبة

تم نشره في الأحد 13 أيار / مايو 2018. 12:06 صباحاً

بعد سلسلة قرارات للحكومة برفع الأسعار، تقدمت بمشروع جديد لضريبة الدخل ركزت فيه على توسيع مظلة الشمول الضريبي، وغلظت العقوبات للمتهربين ضريبياً.
أكثر ردود الفعل على مشروع الضريبة الجديد كانت رافضة، ومن بينها أصوات برلمانية، وهؤلاء يعتقدون أن المشروع يزيد الأعباء المالية على الطبقتين المتوسطة والفقيرة، ولا يعد عادلاً، ولا يحقق مفهوم التصاعدية.
القراءة الأولى لمشروع القانون تظهر تخفيض الإعفاء للأفراد من 12 ألفاً إلى 8 آلاف سنوياً، وللعائلة من 24 ألفاً إلى 16 ألف دينار، وهذا يعني حكما توسيع مظلة المشمولين.
شخصياً مع توسيع مظلة المشمولين ضريبياً، ولكن بعدالة، والسؤال الذي يجب أن يناقش: هل من يزيد دخله سنوياً على 8 آلاف دينار كأعزب يستحق فعلاً أن يدفع ضريبة؟!
بحسبة أخرى، هل من يتقاضى أجراً شهرياً بحدود 666 ديناراً مطالب بدفع ضريبة مهما كانت قيمتها، وما هي الدراسة التي اعتمدتها الحكومة لاعتبار شمول من يزيد دخله على 8 آلاف أمرا عادلا؟
هل تستطيع الحكومة أن تجزم بأن 666 ديناراً تكفي لحياة مواطن وتغطي كلفة السكن، والأكل، والتنقل والعلاج؟
كنت أتناقش مع أصدقاء من الطبقات الوسطى التي تتحدث عنها الحكومة دائماً، فقالوا لي ساخرين "لو تتكفل الحكومة وتنفق علينا، والمطلوب منها فقط تأمين البيت، والأكل، والمواصلات، والتأمين الصحي والمدارس لأولادنا، فنحن لا نريد منها رواتب ونكتفي بذلك؟".
ملخص القول إن الدخل المعفي للفرد والأسرة ليس عادلاً في ظل الغلاء المعيشي والتضخم، وما كان رفاهاً واستهلاكاً غير مبرر في السابق أصبح أساسياً، والأهم أن الحكومة لا توفر خدمات جيدة لمواطنيها، فأين هي الخدمات الصحية الحكومية الجيدة، أين هي المواصلات العامة التي تريحهم من تكاليف السيارات الخاصة وأسعار المحروقات المتصاعدة، وأين هي المدارس الحكومية الجيدة التي تؤهل أولادهم للمنافسة والولوج لعالم المستقبل؟
كنت أتفهم لو أبقوا على الشريحة الأولى المعفاة بألف دينار مثلما هي في القانون الحالي، و24 ألفاً للعائلة، أو فرض 2 % ضريبة على الشريحة الأولى من قبيل المشاركة المجتمعية وليس أكثر.
ما أفهمه أن الضريبة التصاعدية، تعني كلما زاد الدخل زادت الضريبة، ولهذا فإن المنطقي أن يتحمل العبء الضريبي الأغنياء والأثرياء، فمن يتقاضى راتباً شهرياً 50 ألف دينار مثلاً، لماذا لا يدفع
50 % من راتبه ضريبة، وهذا يعني أن ترتفع الشرائح ولا تتوقف عند 25 % كسقف أعلى، وكذلك لا بد أن تتباعد وتتوسع بزيادتها أكثر من 5 %؟
العدالة الضريبية جوهر هذا القانون وغيره، ولا بد أن تنظر الحكومة أبعد من هذا القانون، لترى حجم الضرائب والرسوم التي يدفعها المواطن الفقير ومتوسط الدخل، هل يعقل أن تتجاهل الحكومة أن الفقراء والأغنياء يدفعون ضريبة مبيعات متساوية؟!
إذا أرادت الحكومة العدالة، فعليها أن تعالج الخلل الكامن في الواقع الذي نشأ عن ضريبة المبيعات، وأن تعلن خطة واضحة لخفضها.
ليت الحكومة تنظر لقوانين الضريبة في أوروبا، وأعلم أن الناس هناك يدفعون
40 % من دخلهم ضريبة وأحياناً أكثر، لكنهم جميعاً ينعمون بوسائل نقل عامة حديثة "المترو"، وشبكات القطارات، وتعليم ممتاز، وخدمات صحية أكثر من جيدة، وضمانات للمستقبل حين يبلغون سن التقاعد والشيخوخة، وحين لا يجدون عملاً هناك صندوق للمتعطلين حتى يجدوا عملاً.
مشروع قانون الضريبة جاء لمحاربة التهرب الضريبي سواء من الشركات، أو بعض المهنيين، وكانت التقديرات قبل ذلك تتحدث عما يزيد على مليار دينار، الآن يتحدثون عن (150) مليون دينار، ولا أعرف لماذا تغير الحال، هل كان ذلك ضرورياً لتوسيع الشمول الضريبي، وحتى لا نتفاجأ بعد تطبيق القانون بأن التهرب الضريبي مستمر وأن الإيرادات لم تتغير كثيراً؟
سيذهب مشروع القانون للبرلمان في دورته الاستثنائية، وأعتقد أنه سيقر بعد تعديلات طفيفة مثل رفع السقف للإعفاء الضريبي للأفراد إلى 10 آلاف دينار، و20 ألف دينار للعائلة.
أرى أن النواب مطالبون بالعمل للوصول إلى مفهوم للعدالة الضريبية، فيراجعون بالأساس ماذا تعني التصاعدية في الضريبة التي تحدث عنها الدستور، ويبلورون مفهوماً اجتماعياً عادلاً، ويتفقون على قيمة الدخل المعفى استناداً إلى دراسات اقتصادية لمتطلبات المعيشة الأساسية وتكاليفها؟
إن فعلوا ذلك، فربما يسهمون في تحسين مشروع قانون الضريبة ليصبح متماشياً مع شعارات العدالة التي تطرحها الحكومة.

التعليق