إبراهيم غرايبة

تتغير الحياة حولنا أسرع مما نشعر

تم نشره في الجمعة 18 أيار / مايو 2018. 11:09 مـساءً

أتذكر الآن لأغراض هذه المقالة (ما يعني أنني سوف أتذكر أكثر بعد انتهائها) المحلات التجارية التي كنت أعرفها وأتعامل معها، وأصحاب المهن والحرف الذين كنت أحد زبائنهم، الشباب والصبايا الذين كانوا يطبعون مقالاتي على الآلة الكاتبة ثم أجهزة الكمبيوتر، وأجلس بجانبهم نصحح المقالات ونتجادل، والمخرج الصحفي الذي كان يعد "بروفات" الصحيفة، ويفاوضني دائما على الحجم المتاح وما يمكن اختصاره، وفي غيابي يقص المادة بالمسطرة والسكين كيفما اتفق! ويخفف المدقق اللغوي الذي اختفى هو أيضا من غضبي بالقول: ومن يقرأ لك غيري يا أستاذ؟ المحلات التجارية التي كانت توفر خدمة الاتصال الهاتفي، وغالبا ما يكون محطة اتصال وأخبار أيضا، يبلغني الرسائل (مجانا مكتفيا بأني أشتري من عنده).. اختفت الهواتف واختفت المحلات أيضا، ابتلعتها المولات العملاقة، وصاحب المكتبة الذي كان ينسخ لي الكتب والأوراق ويحجز الصحف والمجلات العربية حتى لا يسترجعها الموزع! ماذا حدث للمجلات الأسبوعية التي كنا نعتقد أنها تصوغ رؤيتنا للأحداث والصراعات؟ والمجلات الأدبية والثقافية والترفيهية التي كنا نترقبها بلهفة؟ وماذا حدث لـ"أبو هيثم" صاحب المكتبة؟ أغلقت المكتبة، ولم أعد أعرف عن أسرته وأطفاله ومدارسهم وقصصهم، ولم أعد أشتري الصحف والمجلات المتبقية، ولم أعد أصوّر ورقا ولا كتبا، والشباب الذين شعروا بالزهو والتقدم عندما استبدلت بأدواتهم أجهزة الكمبيوتر اختفوا هم أيضا، لم تعد المؤسسات تحتاج إليهم، فالصحفيون والباحثون يعدون أعمالهم على أجهزتهم من الألف إلى الياء! والشاب الذي جهز لي في البيت مجموعة الكمبيوتر بخمسة عشر ألف دولار وأقنعني بأهمية الصفقة بعد انخفاض الأسعار في دول نمور آسيا؛ اختفى ولم تعد مجموعتي العظيمة التي اشتريتها بالتقسيط على أربع سنوات تساوي شيئا بالنسبة لجهاز اللابتوب الذي اشتريته بخمسمائة دولار، واختفى من قبل أيضا جهاز الفاكس ومعه الشاب الذي كان يزورني بانتظام لصيانة الجهاز وتزويده بورق الفاكس الخاص، كان جهاز الفاكس حدثا عظيما في حياتي، لم أعد في حاجة لإرسال مقالات بالبريد، وماذا حدث للبريد والعاملين فيه؟ تلك قصة طريفة تحتاج إلى مقال مستقل وربما أكثر! أين هم كل هؤلاء وغيرهم؟ لم أعد أتذكرهم، ولا أعلم أين هم اليوم؟ بل لم أعد أتذكر أسماء أكثرهم.
تختفي الصحف والمجلات الورقية ويختفي معها العاملون في الطباعة والتوزيع والإعلان والاشتراكات، وتختفي المطبعة، ذلك المكان المقدس الذي كنا نجلس فيه بعد منتصف الليل كأننا نصلي. ننتظر الصحيفة لتخرج ونقرأها بزهو عظيم، أن تقرأ الآن الصحيفة التي سيقرأها الناس غدا، .. وما أزال ألتمس هذه المتعة في ترقب طقسي غامض على شبكة الإنترنت! كان القائمون على المطبعة مثل كهنة مقدسين يحولون أفكارنا إلى كائنات حية جميلة يتداولها الناس! بدونهم لا نساوي شيئا. لكنهم اليوم يتبخرون؛ يمضون إلى المجهول.
وأبو عدنان الخياط الذي كان يعد ملابسنا على مدى الأجيال أغلق محله، ولعله توفي، وحول ابنه المحل إلى بيع وصيانة الموبايلات وإكسسواراتها، ومثل أبو عدنان محلات الأقمشة، والمكتبات ودور النشر، وبيع وصيانة أجهزة الراديو والتلفزيون وأجهزة التقاط الفضائيات!، والساعات والأقلام، والكاسيت وأقراص السي دي، ودور السينما والمسارح..
أسير في خيالي في هذه اللحظة في الشارع الذي أمر فيه كل يوم وأتذكر المحلات التجارية التي اختفت وبعضها كان عامرا على مدى أجيال، وأفكر في المحلات التجارية الجديدة الصاعدة،.. وحدها البنوك بقيت مزدهرة شامخة، وصاروا عمالقة، .. وصاروا مهمشين ومتسولين؛ أصحاب وقادة الأعمال والمهن والطبقات النبيلة؛ .. كانت نبيلة!

التعليق