إدارة مخاطر ارتفاع الدولار

تم نشره في الأحد 20 أيار / مايو 2018. 12:00 صباحاً

محمد عبد الله العريان*

جنيف - طلبت حكومة الرئيس الأرجنتيني ماوريسيو ماكري من صندوق النقد الدولي قرضا تأمل أن يؤدي إلى إيقاف انهيار البيزو الذي تسبب في دفع أسعار الفائدة إلى الارتفاع، ومن المنتظر أن يفضي إلى تباطؤ الاقتصاد، كما يهدد برنامج الإصلاح. والواقع أن انقلاب مصير الاقتصاد جزئيا، وليس كليا بكل تأكيد، يعكس ضغوطا أوسع نطاقا ناجمة عن ارتفاع قيمة الدولار الأميركي مؤخرا ــ وهي العملية التي من المنتظر أن تتسارع، لأن كلا من السياسة النقدية والفوارق في النمو تحابي الولايات المتحدة الآن.
كان بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، لفترة من الوقت الآن، متقدما بمسافة كبيرة على البنوك المركزية الأخرى المهمة جهازيا في تطبيع السياسة النقدية ــ بمعنى رفع أسعار الفائدة، وإلغاء المشتريات الواسعة النطاق من الأصول، وبدء العملية المتعددة السنوات لتقليص الميزانية العمومية. وقد تضاعف تأثير هذه الجهود هذا العام بفِعل محفز آخر كان وراء ارتفاع قيمة الدولار مؤخرا: وهو التباعد المتزايد والأقل إيجابية بين البيانات الاقتصادية والتوقعات في بقية العالَم.
خلال القسم الأعظم من العام 2017، كانت الأسواق تتدافع في محاولة للحاق بمؤشرات النمو خارج الولايات المتحدة التي كانت أكثر ملائمة مما كان متوقعا بشكل ملحوظ. ونتيجة لهذا، انخفض المقياس الأكثر انتشارا لمؤشر الدولار المرجح تجاريا بنسبة 10 % في العام الماضي. وارتفعت تدفقات رأس المال إلى أوروبا والأسواق الناشئة الرئيسية، مع سعي المستثمرين إلى الاستفادة من التوسع، في حين تمتعوا بعوائد أعلى فضلا عن احتمال تحقيق مكاسب رأسمالية من تحركات العملة.
ولكن في الأشهر الأخيرة، تحولت مقاييس "المفاجآت" الاقتصادية إلى المنطقة السلبية، مع ضعف زخم النمو في أوروبا وخارجها. على سبيل المثال لا الحصر، تسبب تراجع المؤشرات الاقتصادية في هبوط تسعير السوق الضمني لرفع سعر الفائدة قبيل اجتماع السياسات في بنك إنجلترا هذا الشهر، من أكثر من 90 %، أو ما يقرب من شبه اليقين، إلى 20 % في غضون بضعة أسابيع.
والآن، أصبحت عائدات مطاردة رؤوس الأموال في الخارج في أوروبا والاقتصادات الناشئة أقل، وبعضها الذي كان هناك بالفعل عاد بالفعل إلى الديار. وعلى هذا فمن المتوقع أن تستمر العوامل الاقتصادية والمالية في تغذية ارتفاع قيمة الدولار الأميركي. والسبيل الوحيد لتخفيف هذه الضغوط التي تدفع قيمة الدولار إلى الارتفاع، وتخفيف حدة انتشار التأثيرات الجانبية، هو الاستعانة باستجابات سياسية فعّالة.
الخبر السار هنا هو أن الأدوات اللازمة للحد من مخاطر الاضطرابات متوفرة بالقدر الكافي. ولكن هناك احتياج إلى تنفيذ أوسع نطاقا داخل الاقتصادات الفردية، وتنسيق أفضل عبر الحدود.
من المؤكد أن بعض المراقبين قد يرون أن ارتفاع قيمة الدولار الأميركي يتسق مع عملية إعادة التوازن الأطول أمدا للاقتصاد العالمي. ولكن كما يوضح الوضع في الأرجنتين فإن الارتفاع الحاد والمفاجئ لمثل هذه العملة المهمة جهازيا يزيد من مخاطر اختلال التوازن في أماكن أخرى.
كانت الأسواق الناشئة عُرضة بشكل خاص لهذه الظاهرة لفترة طويلة. ففي الفترة التي سبقت الأزمة المالية الآسيوية في تسعينيات القرن العشرين، أبقت العديد من الاقتصادات على ربط عملاتها بقوة بالدولار، وكانت الحكومات أميل إلى الاقتراض بكثافة بالدولار، في حين كانت تعمل على توليد أغلب عائداتها بالعملة المحلية (ما أسماه أهل الاقتصاد "الخطيئة الأصلية").
مع ارتفاع قيمة الدولار في الأسواق الدولية، أصبحت هذه الاقتصادات أقل قدرة على المنافسة وشهدت تدهورا حادا في أوضاع حساباتها الجارية. وأجبرت تدفقات رأس المال الفعلية والمحتملة إلى الخارج البنوك المركزية على رفع أسعار الفائدة المحلية، الأمر الذي أدى إلى تكثيف الضغوط الاقتصادية الانكماشية وتقويض الجدارة الائتمانية لقطاع الشركات المحلية. ولم يكن خفض قيمة العملة خيارا سهلا أيضا، لأنه قد يعزز التضخم ويرفع تكاليف خدمة الديون الخارجية إلى عنان السماء فيجعل سدادها في حكم المستحيل.
الآن، تدير أغلب الدول النامية أسعار صرف مرنة، ومن خلال التحول إلى مصادر الاقتراض المحلية، نجحت في خفض حالات عدم تطابق العملة المرتبطة بخصومها. ومع ذلك، يظل هناك اثنتان من نقاط الضعف.
فأولا، تسببت الفترة غير العادية الأخيرة من التقلبات المكبوتة في الأسواق المالية، وأسعار الفائدة الشديدة الانخفاض، وضعف الدولار، في إطلاق العنان لاندفاع آخر لتدفقات رأس المال إلى الدول الناشئة، بما في ذلك "دولارات السياحة"، والتي تميل إلى التدفق عائدة فور ظهور أول بادرة تشير إلى متاعب. وثانيا، لجأ عدد متزايد من شركات الأسواق الناشئة، بتمكين من ظروف التمويل العالمية السخية إلى حد غير عادي، إلى اقتراض الدولارات من الخارج، مما أدى إلى زيادة ضعفها المالي في مواجهة أسعار الفائدة الأعلى وتحركات العملة المعاكسة.
وبالتالي، أصبحت التغيرات التي تحركها عوامل خارجية في المتغيرات المالية مصدرا لمخاطر جسيمة، وخاصة في دول مثل الأرجنتين، التي لها تاريخ في سوء الإدارة الاقتصادية، وعجز ضخم في الحساب الجاري، وغير ذلك من اختلالات التوازن المالي، والعادة المتمثلة في ملاحقة أهداف أكثر مما ينبغي بالاستعانة بأدوات قليلة للغاية. ولأن اقتصادات الأسواق الناشئة تظل عُرضة بنيويا لمخاطر العدوى في الأمد القريب، فإنها عادة مسألة وقت قبل أن تتسبب مشاكل قِلة من الدول في تشديد الظروف المالية بالنسبة لفئة الأصول ككل.
إلى جانب ضرب استقرار الأسواق الناشئة، يهدد الارتفاع المفاجئ في قيمة الدولار ــ وعلى وجه التحديد ما يحدثه من خسائر في القدرة التنافسية التجارية ــ بتعقيد مفاوضات التجارة المعقدة بالفعل. وبشكل خاص، ربما تتعرض للخطر الجهود الرامية إلى تحديث اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية وإقامة علاقات تجارية أكثر إنصافا بين الولايات المتحدة والصين.
على هذه الخلفية، ينبغي لصناع السياسات أن يعكفوا على تنفيذ التدابير الكفيلة بإزالة الضغوط المفروضة على أسواق الصرف الأجنبي. ويتضمن هذا، أولا وقبل كل شيء، السياسات الداعمة للنمو، وخاصة في أوروبا، التي تواجه على الرغم من المكاسب الاقتصادية الأخيرة رياحا عكسية بنيوية عاتية. من ناحية أخرى، ينبغي للاقتصادات الناشئة أن تركز على الحفاظ على ميزانيات عمومية متينة، وتحسين فهمها لديناميكيات السوق، وحماية مصداقية السياسات.
كما ينبغي تعزيز التدابير على مستوى كل دولة من خلال تحسين عملية تنسيق السياسات العالمية، وخاصة للمساعدة في تجنب الحلقات المفرغة أو كسرها. ويستطيع صندوق النقد الدولي، الذي ربما يواجه قريبا المزيد من طلبات التمويل، أن يلعب دورا مهما في هذا الصدد. ومن الواضح أن الاستعانة بقدر إضافي من الحذر الآن أفضل من المجازفة بإحداث فوضى يجب تنظيفها في وقت لاحق.

* كبير المستشارين الاقتصاديين في أليانز، وكان رئيسا لمجلس الرئيس الأميركي باراك أوباما للتنمية العالمية.
خاص بـ"الغد" بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق