الضرر الذي ألحقه ترامب بالشرق الأوسط

تم نشره في الأحد 20 أيار / مايو 2018. 12:00 صباحاً
  • إيرانيون يحرقون صورة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بُعيد انسحابه من الاتفاق النووي -(أرشيفية)

باتريك كوبيرن - (كاونتربنتش) 14/5/2018

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

عندما تولى دونالد ترامب منصبه كرئيس للولايات المتحدة العام الماضي، توقع الكثيرون أنه سيسجل حضوراً أقل تفجراً في البيت الأبيض مما كان عليه أثناء حملته الانتخابية. وأمل هؤلاء في أن تكبح جماحه المؤسسة السياسية والبيروقراطية الدائمة في واشنطن، وقالوا إن المتطرفين عادة ما يتحولون عندما يصبحون في السلطة إلى محافظين مذعنين، ويسعون إلى الحفاظ على الوضع الراهن.
حول ذلك الوقت، أرسل لي صديق قصاصة من مقال افتتاحي قديم نشر في صحيفة "نيويورك تايمز" بتاريخ 31 كانون الثاني (يناير) 1933، تحت عنوان "ألمانيا تغامر". وقد أدرك الكاتب في ذلك الحين أن هناك مشاعر من القلق والشك تحيط بتعيين رئيس للحكومة الألمانية، بعد أن كان قد "استهزأ بها صراحة" وهدد بتدميرها. لكن ذلك المقال الافتتاحي كان واثقاً حد الاطمئنان من أن هذا لن يحدث، واستشهد في ذلك بالعديد من الأسباب، مثل معارضة زملائه في الحكومة الذين سيعارضونه "إذا سعى إلى ترجمة الكلمات الدامية والوحشية في خطابات حملته الانتخابية إلى عمل سياسي حقيقي".
كما اقترحت قيود أخرى على سلطة الرئيس الجديد أن الكثير لن يتغير: كانت الأموال الألمانية في أيد قوية ومحافِظة؛ وسوف تؤدي أي محاولات لإقامة ديكتاتورية إلى التسبب بإضراب عام؛ وسوف تظل السياسة الخارجية الألمانية من دون تغيير؛ ويستطيع الرئيس بول فون هيندنبورغ أن يقوض المستشار الجديد بالسرعة التي صنعه بها.
في قصة كلاسيكية عن الخطأ في التقدير السياسي، طمأن كاتب المقال المذكر قراءه، فكتب: "ربما يكون الأمر أننا سنرى" هتلر "المدجَّن" الذي يتحدث عنه بعض الألمان بأمل. وربما نبحث دائماً عن مثل هذا التحول عندما يشق ديماغوجي راديكالي طريقه بالشجار والتدافع إلى منصب مسؤول". ويجب تعليق الحكم على الزعيم الألماني الجديد إلى أن يبرهن على ما إذا كان أكثر من مجرد "المحرض الهائل"، الذي "سيجبر الشعب الألماني على القيام بقفزة إلى الظلام".
التقطتُ الفكرة في ذلك الوقت؛ كان الصديق الذي أرسل لي القصاصة يريد الإشارة إلى مدى سهولة الاستهانة بالدرجة التي يمكن أن يكون بها الديماغوجيون أكثر تدميراً وتعطشاً للسلطة عندما يصبحون في المنصب مما كانوا عليه قبل ذلك. لكنني لم أستخدم القصاصة لأنني شعرت أنه من السابق لأوانه مقارنة ترامب بالديكتاتوريين المنتخبين في الماضي -الذين يشكل موسوليني وهتلر أسوأ الأمثلة عليهم فقط- والذين فازوا بأغلبية في صناديق الاقتراع، ثم حاولوا القضاء على كل معارضة لسلطتهم في الداخل والخارج على حد سواء.
من نابليون الثالث إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اليوم، ثمة الكثير من القواسم المشتركة بين الرجال الأقوياء القوميين الشعبويين: رفع شعارات مبسطة وبذل وعود غامضة تضمن الفوز بالأصوات؛ وشن الهجمات على الإعلام المستقل؛ واحتقار القانون (على الرغم من إشادتهم بالقانون والنظام)، والسيطرة على البرلمان وتهميشه؛ والشوفينية؛ والعسكرة؛ ومزاعم الفساد، والسعي المتواصل الذي لا يكل إلى إحكام القبضة على السلطة.
تنبأ الرئيس باراك أوباما بأن ترامب سيجد أن تحويل وجهة سفينة الدولة الأميركية سيكون صعباً، لكنه أدارها. وقد جاء "الكبار الناضجون" في حكومته، ومعظمهم من الجنرالات السابقين الذين كان الكثير متوقعاً منهم، وذهبوا. وأولئك الذين ظلوا يتم تجاهلهم وإهانتهم مثل وزير الخارجية، جيم ماتيس، الذي قال إن الصفقة النووية الإيرانية تقوم بعملها المطلوب.
قام ترامب بشكل منهجي بتفكيك النقاط الثابتة في السياسة الخارجية الأميركية. ولذلك، فإن درجة الحرارة السياسية في الشرق الأوسط ترتفع باستمرار. وكما يقول أحد المعلقين، فإن هناك "أجزاء متحركة" لا يمكن التنبؤ بها أكثر من أي وقت مضى في الأزمات المختلفة في الشرق الأوسط، وهي أجزاء قد تنفجر في أي لحظة.
شهدت الأيام الماضية انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني، وإطلاق إسرائيل غارات جوية مكثفة على أهداف إيرانية في سورية. وثمة تطورات خطيرة كانت متوقعة بالمقدار نفسه: ففي 12 أيار (مايو) كان من المرجح أن لا تسفر الانتخابات البرلمانية العراقية عن فوز أي حزب بأغلبية. وتدعم الولايات المتحدة وإيران طرفيْن مختلفين في العراق لمحاولة ضمان أن تكون الحكومة العراقية المقبلة مواتية لهما. ويخشى العراقيون أن تكون بلادهم هي الساحة التالية التي تتصارع فيها الولايات المتحدة وإيران من أجل التفوق، مع كون المتناقضات تصب لصالح الإيرانيين لأنهم، مثل غالبية العراقيين، من المسلمين الشيعة.
وثمة الأسئلة العملية بعد الانتخابات: على سبيل المثال، ماذا سيكون مستقبل الـ10 آلاف جندي ومقاول عسكري أميركي في العراق، والذين لم بعد وجودهم ضرورياً الآن كما كان قبل هزيمة "داعش"؟ وبينما تفرض الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية صارمة على إيران، هل ستعاقب الأفراد والبنوك والشركات العاملة في العراق على التعامل مع إيران؟ لدى إيران كل الحوافز لتوجيه جزء من أعمالها عبر بغداد، حيث سيتعين على الولايات المتحدة أن تسير بخطى حذِرة من أجل تفادي استعداء الحلفاء المحليين.
في غضون يومين من الانتخابات العراقية، تنتقل السفارة الأميركية في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس. وترفرف الأعلام الإسرائيلية والأميركية في كل شارع، وتحمل 150 لوحة إعلانية ضخمة صورة وجه دونالد ترامب. يحدث هذا في 14 أيار (مايو)، وهو اليوم نفسه الذي يقيم فيه عشرات الآلاف من الفلسطينيين مسيرات في غزة لمحاولة اختراق السياج المحيط بالجيب المحاصر.
وتأتي المظاهرة في نهاية سبعة أسابيع من الاحتجاجات المسماة "مسيرة العودة الكبرى" التي سعى الفلسطينيون فيها إلى إعادة تأكيد حقهم في العودة إلى أراضيهم في إسرائيل، التي طردوا منها أو هربوا منها في العام 1947. وقد قتل العشرات وجرح الآلاف من الفلسطينيين في الاحتجاجات حتى الآن. وكانت عملية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين تحتضر منذ وقت طويل، لكن ترامب يقول صراحة للفلسطينيين إنهم خارج الحسبة ولا يمكنهم توقع أي شيء من الدبلوماسية.
يكمن الخطر في أن يبالغ ترامب، مثل الكثير من الرجال الأقوياء القوميين الشعبويين الآخرين، في تقدير قوته. وليس موقف الولايات المتحدة قوياً بشكل خاص في كل المسافة من الحدود الشرقية لأفغانستان إلى البحر الأبيض المتوسط. ويتطلع ترامب إلى القوى المحلية في المنطقة، مثل إسرائيل والمملكة العربية السعودية، للنيابة عنه في العمل في المنطقة، لكن ما تستطيع هذه القوى أن تفعله له هو أقل بكثير مما يتصور. وهناك ثمن دبلوماسي يجب دفعه لتجاهل الحلفاء الأوروبيين والحلفاء الآخرين الذين يرون أن استرضاء ترامب لا يذهب بهم إلى أي مكان ويُعامل بازدراء باعتباره علامة على الضعف.
المشكلة هي أن رؤية ترامب للشرق الأوسط تتكون من قطع من دعاية المحافظين الجدد، والتي تكملها وجهات نظر الزعماء الإسرائيليين والسعوديين الخادمة للذات. وقد يتخيل ترامب أن القضية الفلسطينية ستختفي، على الرغم من أنها رفضت أن تفعل ذلك بعناد خلال القرن الماضي. وقد يعتقد أنه يمكن فصل العراق سياسياً عن إيران، لكن هذا لن يحدث. ويبدو أنه يتوقع أن تؤدي العقوبات الاقتصادية إلى تغيير النظام في إيران أو استسلامها صاغرة، ولكن لا يوجد سبب للاعتقاد بأن ذلك سيحدث. وقد لا يعتزم ترامب خوض الحرب في الشرق الأوسط، لكنه لا يستطيع الحصول على ما يريده من دون خوض واحدة -بل وربما لن يحصل عليه حتى لو فعل.

*نشر هذ المقال تحت عنوان: The Damage Trump Has Done in the Middle East

التعليق