حنان كامل الشيخ

تخيل أن الكون لا طعم له أو لون!

تم نشره في الاثنين 4 حزيران / يونيو 2018. 11:00 مـساءً

جيل "سبيستون" لم يخلفْ وعده مع وطنه! فحتى وإن كانت وسائل التعبير عن الرفض والمقاطعة، غريبة بعض الشيء لآبائهم وأمهاتهم، الذين ترعرعوا على مظاهرات "الزمن الجميل" ضد الاحتلال أو بسبب ظروف جيوسياسية لا تزال أعمارهم تدفع ثمنها إلى اليوم، إنما لا مجال لأكثر من الشعور بالدهشة من تلك الأساليب الحديثة للإضراب و المظاهرات، طالما تؤدي دورها على أكمل وجه، ومع سبق الجمال و خفة الظل!
شابات وشباب بعمر الزهور اعتقد آباؤهم أن ثمة يأسا يلوح في آفاقهم الحياتية، على مقياس الدراسة والشغل والزواج، وهي معايير الأهل المعلبة منذ الأبد، وعلامات نجاح أو فشل الأشخاص من وجهة نظرهم المقيدة، بحاجات الأكل والنوم والإنجاب. هؤلاء كسروا القواعد كلها و علموا الجيل الذي سبقهم إلى الخمول والاستسلام، كيف أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، هذه الحكمة التي انطلت على الكبار وتغنوا بها شعرا
ونثرا ومسرحيات جامعية مملة، لم توقد في جوارحهم للأسف شرارة الرفض، وعنفوان الغضب.
ما أجمل الصور المتلاحقة على مواقع الأخبار ومنصات التواصل الاجتماعي، مليئة بحب الوطن والخوف على أرصفته و شوارعه وأشجاره، من نسمة الهواء. ما أحلاها من عبر رددها الشباب في عشق البلد والانضواء تحت سماء واحدة، تتسع لآهات الجميع، وتتفتح شمسها لأحلامهم البريئة الطبيعية، في العيش الكريم والفرص العادلة.
يستغرب مراقبون من الخارج هذا التلاحم غير المتكلف، بين أطياف الشعب الواحد على الدواوير وفوق الجسور وبين حارات البيوت. كيف لشعب غاضب أن يوكل للحب والود والقلق على الوطن مهمة المتحدث الرسمي باسم المواطنة. اسم "الدوار الرابع" صار نجما في عالم التواصل والأخبار عابرا للقارات، سابغا روحا جديدة لم يتعرف عليها آخرون قبل أن يعلمها شباب "سبيتون" كما أطلقت إحدى أمهات المحتجين عليهم، للعالم أجمع.
تركض صبية خلف مصاب وتلف على قدمه شالها، فتصبح على عشرات الشالات المهداة إليها من أغراب لم تقابلهم. أرقام هواتف شخصية لمسعفات ومسعفين من الأطباء والممرضين تنتشر بكل أمان عبر المنصات تحسبا لوقت حاجة. أصحاب محلات شهيرة، يجوبون الشوارع بأكواب القهوة الساخنة مقدمة للأمن قبل المتظاهرين، بدون أجندات مسبقة!
المتظاهرون يصطفون خلف الدرك ويصلون العشاء جماعة، قبل أن يتفرقوا إلى فريقين غير متخاصمين، وفوق كل ذلك الصور التي ملأت جدران وشاشات المتابعين من الخارج للشباب وهم ينظفون أماكن التظاهر في ساعات الفجر الأولى، حتى لا تكون عبئا على عمال النظافة في اليوم التالي.
هذه الروح الإنسيابية الخلاقة النظيفة، وضعت أسسا لعلم الإضراب والتظاهر، المبني على روح المسؤولية الحقة وحب البلد من جد.
كاذب من يتغول على سكون الشباب وطول بالهم على الضيم والقهر، مستكينين لأمل التغيير. حاقد من يتجرأ على صبر الجيل القادم القابض على جمر الحرمان، خوفا على استقرار الوطن ولو من كلمة تخدش أمانه. متنمر من يظن بأن البطولة قد كتبت نهاياتها في القرن الفائت ولا أعرف لماذا صراحة! صبايا وشباب التسعينيات الأجمل، استمروا " فمن يخطو ليلا و الجو ضباب .. من يمشي فوق الأشواك بين الذئاب.. قد يفعل هذا بالأكثر.. من لا يرضى أن يقهر.. من لا يرضى يوما قانون الغاب"، من مسلسل كارتون كان اسمه "الأشاوس"!

التعليق