محمد أبو رمان

عندما يكسب الجميع!

تم نشره في الاثنين 4 حزيران / يونيو 2018. 11:09 مـساءً - آخر تعديل في الاثنين 4 حزيران / يونيو 2018. 11:28 مـساءً

لو وقعت أحداث الأيام الماضية في أي دولة عربية أخرى لانتهت إلى كوارث، ربما مصائب. لكن الأردن تجاوز منعطفاً تاريخياً كبيراً وخرج الجميع رابحاً، وليس هنالك خاسرون، وقدّم الأردنيون، قيادةً وشعباً ومؤسسات، درساً تاريخياً للمحيط العربي.
لم يشهد الأردن في ذروة الربيع العربي 2011 والحراك الشعبي الداخلي، وربما في تاريخه المعاصر، حدثاً شعبياً مشابهاً لطبيعة ومستوى ونمط ما حدث مؤخراً، وهي حالة بالفعل نادرة، أن يكون هذا الحجم من الجماهير في الشارع، ونسبة كبيرة منهم من الشباب والطبقة الوسطى ومعهم مهمّشون، على تماس مع رجال الأمن مباشرةً، ومع ذلك ينتهي الأمر بسلام وبود، ما عكست شيئاً منه الصور الرائعة التي تناقلها المواطنون للعلاقة بين المحتجين والأمن.
من الظلم الشديد أن نقف على سطح المشهد ولا نفكّر في عمقه ودلالاته، فهو ليس بريئاً، بحالٍ من الأحوال، وراؤه مزيج جميل يستحق الاحتفاء، وتستأهل هذه اللحظة التاريخية أن تدرس ونستفيد منها جيداً!
وراء هذا المشهد مؤسسات دولة وقيادات أمنية ورجال أمن تحلّوا بأقصى درجات ضبط النفس وسياسات الاحتواء والتعامل الحضاري مع الجماهير، فعبرنا بسلام. ووراءه جمهور عظيم قدّم -في أغلبه- درساً في معنى الاحتجاج السلمي وثقافته، كما أنّه بالرغم من عدم وجود قيادة مركزية إلاّ أنّه بقي ملتزماً بأخلاق عظيمة، باستثناء بعض الظواهر السلبية.
وهنالك بالضرورة قيادة من طينة مختلفة عما نشاهده في العالم العربي، قدّمت نموذجاً مدهشاً على التعامل مع الشارع واحتجاجاته، فلم يجد الملك فيما يحدث تحديّاً، ولم يؤمن بمنطق "تكسير العظم" مع المواطنين، فقدّم أولاً رسالة (بعد مجلس السياسات) تشي بتفهّم الضغوط الاقتصادية وأسباب الاحتجاجات، وثانياً استجاب لمطالب المحتجيّن وأقال الحكومة، ما يؤكد على النمط الخاص من العلاقة الأردنية بين الحاكم والمحكوم.
في لقائنا أمس بالملك تجاوز كل التوقعات في حديثه، وشكّر الشارع الأردني الذي عبّر عن نفسه بصورة حضارية وسلمية، وأبدى تفهمه لغضب الناس، وأكد على ضرورة فهم جيل الشباب وإدماجهم في الحياة العامة وفي مؤسسات الدولة وتطويرها، وتغيير العقلية الرسمية في التعامل مع الأحداث والتطورات، وعلى ضرورة الحوار مع المؤسسات المختلفة في عملية إعداد قانون الضريبة، وعلى الاهتمام أكثر بالرسالة الاتصالية بين الدولة والمواطنين، إلى غير ذلك من قضايا لا تبتعد سنتيمترا مربعا واحدا عن الحوارات التي نسمعها في الشارع.
تلك اللحظات الجميلة انتهت إلى رفع الحالة المعنوية للمواطنين بالرغم من الظروف الاقتصادية، لكن الأهمّ أنّها تستبطن دروساً ذهبية من الضروري أن نبني عليها لاحقاً ونستفيد منها في تعاملنا مع أي أزمات أو منعرجات مقبلة، لأنّ التحديات لم تنته، بل ما نزال في بداية الطريق!
الآن؛ ماذا بعد؟.. نتمنى أن نبدأ صفحة جديدة، فأمامنا أزمة مالية تزداد سوءاً، وعلينا التفكير في الإطار الزمني والسياسي The Frame work، الذي سنعيد من خلاله ترتيب الأمور، مع التعديلات على ضريبة الدخل والسياسات الاقتصادية والمالية.
لكن في سياق ذلك كلّه، علينا ألا ننسى أنّ هنالك ظروفاً إقليمية خطيرة، غير مسبوقة، وتحولات إقليمية تشكّل تحديات، وربما أخطارا للأمن الوطني الأردني، وأصدقاء أداروا ظهورهم وحلفاء يختلفون معنا في إدارة الملفات، وتحجيم لدورنا الإقليمي المرتبط بموقعنا الجيواستراتيجي، الذي كان يمثل دوماً سبباً لمصادر مالية تاريخياً تنقذ الموازنة، لم تعد موجودة.
نحن، جميعاً، في سفينة واحدة، إمّا أن نربح أو نخسر معاً، ومثل هذه الظروف الاستثنائية تتطلب -كما يقول الأستاذ عدنان أبو عودة- Fresh Minds، وهو الذي خبر السياسة الأردنية خلال سبعين عاماً، وقام بأدوار تاريخية يرى بأنّنا نمر بمنعطف غير مسبوق، فمن الضروري أن نمتلك فكراً تاريخياً نقدياً ونتجاوز الأفكار المعلبة والعقليات الخشبية السطحية في إدارة المعادلة الداخلية.

التعليق