قراءات تنموية

صامدون في حقول ومراعي العاصمة.. عن التجربة المحلية بالزراعة الحضرية

تم نشره في الخميس 14 حزيران / يونيو 2018. 12:00 صباحاً
  • مواقع للزراعة والرعي في عمان-(أرشيفية)

أحمد أبو خليل

عمان- بما يشبه الشاهد على ماضي عمان، وهو بالمناسبة ماض غير بعيد جدا، تنتشر في شتى أنحاء العاصمة ومن مختلف جهاتها وفي داخل أحيائها احيانا، مواقع للزراعة والرعي، بعضها يكاد يكون ثابتا ومتكررا خلال المواسم المتتالية، وبعضها يتبدل كليا أو جزئيا وفقا لتبدلات العمران أو القرارات الإدارية.
 وفي أغلب هذه المواقع سوف تجد مَن يقف وينظر حوله متذكرا بأسى، أن المنطقة كانت إلى زمن قريب حقولا ومراعي.
في شرق عمان وفي غربها تصادفك شلايا (وأحيانا قطعان) الغنم والماعز تخترق الطرق وقد تستقر لزمن في مكان لزمن، ولو أتيحت لك فرصة جيدة للمراقبة، فإنك ستلاحظ أن الطقوس الكاملة لتربية الحلال ما تزال تمارس في هذه المواقع.
ينظر قسم كبير من مواطني عمان إلى الأمر باعتباره فرصة للسياحة المحلية، فقد يصطحبون أطفالهم للمراقبة والفرجة على الحيوانات والحقول، وقسم آخر من المواطنين يقصدها للشراء وخاصة في مواسم حليب الماعز والنياق أو مواسم الزراعة الصيفية، مثل هذه الأيام، حيث يقصد الجمهور حقول زراعة الفقوس والباميا واللوبيا التي يفضلونها "بعلية" أي معتمدة على مياه الأمطار فقط.
غير أن الأمر بالنسبة للعاملين في هذا الميدان أبعد ما يكون عن السياحة! إنه نشاط زراعي اعتادوا عليه وورثوه عن آبائهم، وقد يورثوه لأولادهم، مختارين أو مجبرين.
ظاهرة مستقرة
إن الاقتراب من العاملين في هذا الميدان سوف يبين أننا أمام ظاهرة مستقرة إلى حد ما، وقد أصبح لها حياتها الداخلية الخاصة، ولها شروط عملها ومتطلباتها. كما أصبحت مصدر رزق للكثير من الأسر والمواطنين، إضافة إلى كونها مصدرتزويد لسلع معينة مطلوبة عند قطاع واسع من المستهلكين.
صحيح انه (وبحدود علم معد هذا التقرير) لم تجر دراسة أو توثيق لحجم الظاهرة، أو التعامل معها باعتبارها فرصة أو مبادرة تتطلب الدعم وتسهيل شروط العمل فيها، كما لم تجر عملية رصد أو حساب لحجمها الحقيقي واتجاه نموها، لكن من الواضح أنها تشكل ظاهرة جديرة بالانتباه وبعقلية تنموية مرنة لا تكتفي بنصوص الأنظمة والتعليمات الإدارية الجامدة.
يصنف هذا النوع من النشاط على المستوى الدولي في سياق ظاهرة "الزراعة الحضرية"، وتعترف به وتدرسه المنظمات الدولية وخاصة منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) التي تشكلت لديها خبرة وانعكست في أدبيات منشورة حول تجارب من مختلف دول العالم الغنية والفقيرة، وهي تنظر للأمر كفرصة وكخيار له الكثير من المزايا إن كان على صعيد العمل والانتاج أو على صعيد الغذاء نظرا للمواصفات المرغوبة في منتجات هذا القطاع من حيث جودتها.
غير أن المؤسف في الأردن، أن المؤسسات المحلية ذات الصلة في وزراة الزراعة أو في مؤسسات الإدارة المحلية لا تعترف بالظاهرة من زاوية كونها نشاطا انتاجيا، وفي غالب الأحيان يقتصر الأمر على الملاحقات والمنع وتحرير المخالفات! وفي بعض الحالات سجل نوع من الاهتمام النخبوي بالزراعة الحضرية، مثل زراعة السقوف أو زراعة حديقة المنزل. وهي مجالات مهمة، غير أن هذا التقرير يعني بالأمر من زاوية تنموية، أي من زاوية امكانية النظر لهذا القطاع باعتباره نشاطا انتاجيا حقيقيا.
كالعادة، في مجمل النشاط الاقتصادي غير الرسمي، فإن المرونة هي الصفة الأبرز، وعند أغلب مزارعي العاصمة هؤلاء سيرة حياة انتقل ميدانها بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، فهم يلاحقون الفرص والمساحات المتاحة.
مثال واقعي
في إحدى الساحات التي نجت من زحف العمران في مناطق أول شرق عمان، تتبع معد هذا التقرير سيرة قطعة أرض تبلغ مساحتها حوالي 12 دونماً، خلال السنوات العشر الماضية. وقد لوحظ ان الساحة شهدت العديد من انماط النشاط الزراعي الحضري بشقيه النباتي والحيواني.
فقد ظلت لسنوات مرتعا لقطيع من الجمال والنياق، شكلت لزمن ما يشبه المهرجان للسكان في المنطقة المحيطة الذين يجتمعون حولها، ثم رُحلت الجمال، وحل محلها الغنم، وبالطبع فإنها في الوقت المناسب، تزرع بالشعير، ولكنها مؤخرا وفي الموسم الحالي، زرعت بالأصناف الصيفية (فقوس وباميا ولوبيا).
وفي مساحة ملاصقة يقيم قطيع من الاغنام، سوف يجد في متبقيات حقول الزراعة الصيفية مرتعا للرعي بعد انتهاء الموسم.
يتربط العاملون في هذا المجال بعلاقات عمل أو علاقات قرابية في كثير من الأحيان، ويتبادلون المنافع، كما يرتبط بهم شبكة من المسوقين والباعة على الطرق العامة.
في حالة هذه الساحة (المثال الذي نتناوله)، اقتسمت أسرتان قطة الأرض التي تعد كبيرة نسبياً، عن طريق الضمان بالاتفاق مع أصحاب الأرض، لكن الأسرتان تزرعان المحاصيل ذاتها. ويعمل أفراد الأسرة بالكامل في الحقل وفق ظروف كل منهم، تقيم الأسرتان في أحدى قرى شرق عمان كإقامة دائمة، لكن أفرداها يتناوبون على العناية بالحقل، وقد أقيمت خيمة كبيرة مجهزة للإقامة في الحقل خلال الموسم.
يحتاج العمل الى الكثير من اليد العاملة، وفي موسم القطاف يستعان بعمالة من خارج الأسرة، حيث يتطلب العمل في قطاف أكثر من 10 عاملين وبشكل يومي في ذروة الانتاج.
في هذه الحقول يتميز استثمار العمل والمال بأقصى درجات الرشاد، فاستخدام العمالة يجري بشكل مرن، ففي موسم البذار بالنسبة للزراعة الصيفية، يتطلب الأمر عددا أكبر من العمال، ومثله في مرحلة "التفريد" (حيث يضع المزارع عددا كبيرا من البذور في النقطة الواحدة لكن عليه أن يقلص العدد إلى شتلتين فقط وبشكل يدوي وهو ما يسمى تفريد الزرع).
عند القطاف يختلف الأمر بين الأيام الأولى والأخيرة من جهة وبين ذروة الانتاج من جهة اخرى، لأن النضوج يكون سريعا، كما يتطلب حسن التسويق، الذي قد يكون مباشرة من المزارع إلى المستهلك، وقد يكون من خلال باعة متجولين أو أصحاب بسطات في مواقع قريبة أو بعيدة أو للمحلات في الأسواق.
على هامش العمل في هذه الحقول، تجري عمليات اقتصادية أخرى وخاصة في مجال إعادة تدوير المتبقيات العضوية، ذلك أن جزء من تغذية المواشي يكون مصدره محلات الخضار والفواكه التي ترسل بالكميات شبه التالفة أو التي لا تسوق إلى هذه المزارع، كما تتعامل معها شبكة جامعي متبقيات الخبز التي تجفف وتقدم كأعلاف.
لا يزعم هذا التقرير أن مهمته تتجاوز لفت الانتباه وبسرعة، إلى ممكنات تنموية في هذا النشاط، وهناك الكثير من التجارب والخبرات على المستوى العالمي يمكن ان تكون مفيدة، وربما هي دعوة للنظر بمرونة إلى ما هو قائم بالفعل من مبادرات وخبرات فعلية عند الناس ودراسة امكانية البناء عليها.

التعليق